الفساد: جشع فردي أم مشروع لهدم الدولة؟

الفساد: جشع فردي أم مشروع لهدم الدولة؟
كتب ✍️ :عباس سرحان
في الأسابيع الأخيرة، انكشفت أمام العراقيين فصول مروعة من فضائح الفساد، حيث كشفت التحقيقات عن أرقامٍ مذهلة للأموال المنهوبة، وسبائك ذهب مدفونة بين الجدران وتحت السقوف، ومبالغ طائلة حُفرت في باطن الأرض. لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: هل هذا الحجم الهائل من النهب مجرد تعبير عن الجشع وحب الاستحواذ، أم أن له أبعاداً أخرى وتفسيراً مختلفاً تماماً؟
لو كان الدافع هو الطمع المألوف، لكان المنطق يقضي بأن يكتفي صاحبه بشراء العقارات الفارهة، أو تأسيس مشاريع استثمارية، أو امتلاك الأراضي الزراعية، ليتمتع بثروته وإن كانت من حرام؛ فهذا هو نمط “الفساد التقليدي”، الذي يسعى صاحبه للاندماج في النظام والانتفاع به على المدى الطويل، فيعلن ثروته ويستثمرها ويعيش بامتيازاتها.
أما أن يُكدّس المختلس هذه المليارات في مخابئ مجهولة، أو يتخلص منها مقربون بدلاً من إنفاقها أو تنميتها، فهذا سلوك ينتمي إلى نمط مغاير لا يقاس بمعايير المصلحة الذاتية البسيطة. إنه تعامل كمن لا يراهن على استمرار الدولة، بل يعاملها كغنيمة أخيرة تُستخلص قبل سقوطه، سواء كان يدرك انهيارها المحتوم أو يعمل بكل طاقته ليحققه. وهنا تتعين علينا البحث عن إجابة تتجاوز تفسير الجشع الفردي.
وتعود الذاكرة بنا إلى ما كشفه رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي، حين نقل عن سعد البزاز قوله: «علينا أن ندخل إلى هذه الدولة لنهدمها من الداخل؛ فهي ليست دولتنا». ويظل هذا التصريح المفتاح الأقرب لفهم هذه الظاهرة الغريبة، وتفسير لماذا يُدفن المال بدلاً من استخدامه كما يفعل الفاسد العادي. إننا هنا أمام مشروع منهجي لتفكيك الدولة من داخلها، بعد أن عجزت الجماعات المسلحة والإرهاب عن إسقاطها بالقوة العسكرية.
قد يتساءل البعض: كيف يتوافق “مشروع الهدم” مع أن من ينفذه هم أطراف في العملية السياسية، يترشحون للانتخابات ويشغلون أعلى المناصب؟ والجواب أن الهدم هنا لا يعني الانفصال أو المواجهة العلنية، بل استخدام صلاحيات الدولة ومؤسساتها كأداة لإفراغها من مضمونها؛ فتظل الهياكل والوزارات والمجالس والانتخابات قائمة شكلاً، بينما يُستنزف جوهرها المتمثل في ثقة المواطن، وقدرتها على تقديم الخدمات، وشرعيتها ككيان جامع يُعوّل عليه.
ومن هنا يأتي حجم الصدمة والانكسار لدى المواطن العراقي، ولا سيما في المناطق الوسطى والجنوبية، الذي دفع أثماناً باهظة وحقق تضحيات جسام من أجل بقاء دولته، ليجد أن من أوكل إليهم أمرها يستنزفون ثرواتها ويتركونه يواجه العطش، وانقطاع الكهرباء، والسكن غير اللائق، وانعدام فرص العمل.
إن هذا النهب المنظم لا يقتصر على سلب الموارد المادية، بل يمسح معنى الانتماء والثقة؛ فتصبح الدولة في وعي الناس مجرد سفينة استولى عليها قراصنة ينهبون حمولتها، وأصحاب الحق فيها عاجزون لا يملكون تغييراً. ومع اقتراب كل موعد انتخابي، يتجلى أحد أخطر تداعيات هذا المسار: عزوف المواطنين عن المشاركة، والحرج الشديد الذي يواجه كل من يحاول التصدي للمسؤولية أو الإقدام على الإصلاح. هذا هو ما استهدفه القول السابق ومن سار على نهجه: ليس إفقار الخزينة فقط، بل قتل فكرة الدولة نفسها في وجدان الناس، حتى تموت الرغبة في التغيير من الداخل قبل أن تنهار المؤسسات فعلياً.
من هذا المنطلق، يصبح واجباً ملحاً على قادة الإطار التنسيقي ممن لم تتلطّخ أيديهم بالفساد، ألا يكتفوا بالخطابات العامة عن “استعادة الثقة”، بل المبادرة بخطوات عملية ملموسة: إفشاء نتائج التحقيقات بشفافية كاملة، ومحاسبة لا تستثني صغيراً ولا كبيراً، ومراجعة جذرية لمنظومة الرقابة التي سمحت لهذا الكم الهائل من السرقات أن يمر دون رادع.
ولأننا أمام حالة استثنائية تختلف عما سبقها، فلا تصلح معها الحلول المعتادة. يقتضي الأمر تشريعاً استثنائياً وقانوناً خاصاً يفرض عقوبات رادعة، تصل إلى أقصى ما يسمح به القانون، على غرار ما اتخذته دول أخرى؛ كإقدام الصين مؤخراً على إصدار حكم الإعدام بحق وزير الزراعة السابق تانغ رِنجيان بعد إدانته باختلاس أموال عامة ضخمة.
إن العراق، الذي يواجه اليوم تهديداً وجودياً بفعل هذا النهب المنظم، يحتاج إلى رسالة لا لبس فيها: أن الفساد بهذا الحجم ليس جريمة مالية، بل خيانة عظمى تستهدف كيان الدولة ومستقبل أجيالها، وأن العقاب سيكون على قدر الخطورة.



