ادبية

الحسن (ع)… حينَ يكون الصُّلْحُ أشجعَ من السَّيف

الحسن (ع)… حينَ يكون الصُّلْحُ أشجعَ من السَّيف

وكالة الوسق الاخبارية
في تاريخِ الأُممِ لحظاتٌ لا تُقاسُ بما وقعَ فيها فحسب، بل بما منعتْ وقوعَه. ومن بينِ تلكَ اللَّحظاتِ يقفُ الإمامُ الحَسَنُ بنُ عليٍّ عليهما السَّلام، قائدًا لم يخضْ معركةً بالسَّيفِ بقدرِ ما خاضَ معركةً أشدَّ قسوةً: معركةَ إنقاذِ الأُمّةِ من الانقسامِ والنَّزيف.
في السَّابعِ من صَفَر، تستعيدُ الذَّاكرةُ ذكرى استشهادِ الإمامِ الحَسَنِ المُجتبى عليه السَّلام؛ ذلكَ الإمامُ الذي عاشَ زمنًا أنهكَتهُ الفِتَنُ، وتآكلتْ فيهِ وحدةُ الأُمّةِ، وأصبحَ كثيرٌ من أنصارِ الحقِّ أسرى للتَّردُّدِ والمصلحةِ والتَّخاذلِ.
لذلكَ، لم يكن صُلحُه تراجعًا عن الحقِّ، ولا هزيمةً أمامَ الخصمِ، بل كانَ قرارًا تاريخيًّا شجاعًا اتَّخذَه إمامٌ أدركَ أنَّ حربًا داخليّةً في أُمّةٍ مُنهكةٍ لن تُنتجَ نصرًا، بل ستفتحُ أبوابَ الفتنةِ على مصاريعِها، وتُغرقُ المسلمينَ في مزيدٍ من الدِّماءِ والانقسامِ.
اختارَ الحَسَنُ عليه السَّلام الطريقَ الأصعب؛ اختارَ أن يتحمَّلَ سوء الفهمِ واللَّومَ والاتِّهامَ، وأن يدفعَ من رصيدِه الشَّخصيِّ ثمنَ قرارٍ يحفظُ للأُمّةِ ما تبقَّى من كيانِها. فليسَ كلُّ انتصارٍ يُكتَبُ في ميدانِ القتالِ، وليسَ كلُّ صُلحٍ هزيمةً؛ فقد يكونُ أعظمُ الانتصارِ أن تمنعَ حربًا، وأن تحفظَ دمًا، وأن تُبقيَ للأُمّةِ فرصةً للبقاءِ.
لقد كانَ حِلمُ الإمامِ الحَسَنِ عليه السَّلام قوَّةً لا ضعفًا، وصمتُه حكمةً لا عجزًا، وكرمُه اتِّساعًا في الرُّوحِ لا انكسارًا. وكانَ يعلمُ أنَّ القائدَ الحقيقيَّ لا يبحثُ عن انتصارِه الشَّخصيِّ، بل عن نجاةِ أُمّتِه، حتّى لو اضطرَّ إلى أن يحملَ وحدَه ثقلَ القرارِ وسوء فهمِ الآخرين.
وفي زمنٍ تتكاثرُ فيهِ الانقساماتُ والصِّراعاتُ، يبقى منهجُ الإمامِ الحَسَنِ عليه السَّلام حاضرًا؛ يعلِّمُنا أنَّ الشَّجاعةَ ليستْ دائمًا في رفعِ السَّيفِ، وأنَّ الحكمةَ قد تكونُ أحيانًا أشجعَ من المواجهةِ، وأنَّ بعضَ المعاركِ تُربَحُ حينَ نمنعُ اندلاعَها.
سلامٌ على الحَسَنِ المُجتبى، يومَ وُلد، ويومَ حملَ أمانةَ جدِّه وأبيه، ويومَ استُشهِدَ مظلومًا محتسبًا.
سلامٌ على إمامٍ علَّمَنا أنَّ بعضَ القادةِ لا ينتصرونَ لأنفسِهم، بل ينزفونَ وحدَهم؛ كي لا تنزفَ الأُمّةُ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى