في العراق، الكرسي ليس منصبًا سياسيًا؛ إنه معبودٌ تُقدَّم له الأوطان قرابين. يتغيّر اللاعبون، لكن الشهوة نفسها تبقى: شهوة سلطةٍ لا تشبع، وولع نفوذٍ لا يرتوي، وغريزة تمسّكٍ لا تعترف لا بقانونٍ ولا بدولة.
منذ تأسيس الدولة الحديثة، لم تُدار السلطة باعتبارها أداة لبناء الوطن، بل باعتبارها غنيمة يتقاسمها المتنفذون كما تتقاسم الضواري جثّة صيدٍ هش. أحزابٌ تضع يدها على الوزارات، طوائف تتعامل مع الدولة كملكية خاصة، عشائر تُوظَّف في ميزان القوى، ومناصب تُوزَّع بميزان الولاءات لا الكفاءات.
المنصب عند كثير من السياسيين ليس تكليفًا، بل خزنة مفتوحة، وامتياز دائم، وبابٌ للثراء الفاحش. يدخل بعضهم شبه مجهول، ويخرج بثروات تعجز الخزائن عن إحصائها. يتشبثون بالكراسي بأظافرهم، بأسنانهم، بشبكاتهم، بقوانين تُفصَّل عليهم، وبحصانات تُخاط لهم كما تخاط الدروع.
وما دامت المنظومة تحمي نفسها من الداخل، فالمساءلة تتحوّل إلى نكتة. ملفات فساد تُطوى، جرائم تُنسى، عقود تُمرّر، أموال تُبدّد، ومؤسسات تُفرَّغ من مضمونها لصالح واجهات مالية وسياسية لا ترى في العراق إلا منجماً يُنهب.
في هذا البلد، لا يسقط الفاسد… يسقط فقط من لا يملك ظهرًا يحميه. أما من يملك النفوذ فيجري فوق الخراب كما لو كان جزءاً من ديكور السلطة. ولهذا تتكرر الوجوه والكوارث، ويظل المواطن يدفع الثمن: خدمات غائبة، بطالة خانقة، مؤسسات عاجزة، ومستقبل يضيق بأهله يومًا بعد يوم.
السلطة هنا ليست مشروع دولة، بل تحالف شره يقتسم البلاد على موائد المساومات. ثقافة سياسية مبنية على الاستحواذ لا التداول، وعلى الهيمنة لا الشراكة، وعلى الامتياز لا القانون. ثقافة ترى الوطن مزرعة، والشعب تابعًا، والكرسي ميراثًا يورّث لا مسؤولية تُحاسب.
والحقيقة الفاضحة التي يجب أن تُقال صراحة:
الطبقة السياسية في العراق لم تكتفِ بالفشل… بل تعاملت مع الدولة كغنيمة، ومع الشعب كرقم، ومع الوطن كحسابٍ مفتوح.
وما لم يُكسر هذا المنطق، ويُنتزع الكرسي من مفهوم التوريث السياسي، وتُعاد السلطة إلى معناها الحقيقي—أمانة لا ملكًا—سيظل العراق يدور في نفس الدوامة:
كراسي لا تشبع، ونفوذ لا يرحم، ووطن يتآكل بصمت.