ينهار حقًا هو الإنسان حين يسلّم صوته لمن لا يستحق.
قبل ساعات العملية الانتخابية، أُقفلت الصناديق كأنها قبور صغيرة تُدفن فيها آمال الناس. صناديق تُقفل اليوم، وتُفتح غدًا على وجوهٍ لم تعد في الذاكرة، وعلى أسماءٍ شاركت ذات يوم ثم ذهبت… وانطفأت… وتحوّلت إلى مجرد غبار في سجلّ وطنٍ يكرر مشهده حتى الملل.
يذهب جيل ويأتي آخر، يدخل السنّ القانوني وهو يظن أنه يدخل مستقبلًا جديدًا… لكنه يدخل المأزق نفسه، المتاهة نفسها، الحكاية نفسها التي يبدّل الراوي فيها صوته ولا يبدّل مضمونها.
أما الوجوه التي تتصدّر المشهد؟
وجوه كالحة تعود كل دورة كما يعود الوباء إلى جسدٍ لم يتعافَ.
وجوه تعلّمت التغذي على المال العام حتى انتفخت أحلامها وخوى ضميرها.
تدخل البرلمان لا لتُشرّع… بل لتسرق بصيغة قانونية.
تُقسم على الدستور صباحًا، وتدوس عليه مساءً.
تتحدث عن الإصلاح ولسانها يقطر نفاقًا، وتلوّح بالعقد الاجتماعي الذي لم تقرأ منه سوى السطر الذي يخدم مصالحها.
هذه الوجوه تعرف كل شيء عن السلطة، ولا تعرف أي شيء عن الوطن.
تُكثر من الوعود، وتُفلس الأفعال.
تستشهد بالديمقراطية لتدفنها، وتتخذ من أصوات الناس سلّمًا لتعلو… ثم ترفسه بعد أن تصل.
وهكذا تظل الأشجار تموت واقفة،
بينما تسقط هذه الوجوه حتى وهي واقفة.
يسقط تاريخها، يسقط كذبها، يسقط كل ما حاولت أن تبنيه فوق جثّة الأمل، ويبقى الوطن يُعيد تدوير الألم، وينتظر موسمًا لا تأتي فيه نفس الوجوه، ولا تعود فيه الصناديق قبورًا، ولا يكون التصويت طقسًا من طقوس الخيبة، بل بداية حياةٍ لا تموت واقفة.