متابعات

بين الفخ والفرصة الاستراتيجية الإيرانية في مواجهة أمريكا وإسرائيل

بين الفخ والفرصة الاستراتيجية الإيرانية في مواجهة أمريكا وإسرائيل

✍🏻 إحسان الموسوي
2026/3/23

في المشهد الإقليمي المعقد برزت إيران كلاعب يوازن بين التخطيط الطويل المدى واستثمار اللحظة التاريخية ما بدا في البداية ضعفا في قدراتها الصاروخية خلال حرب الاثني عشر يوما تحول لاحقا إلى عنصر خداع استراتيجي مكنها من إعادة رسم قواعد اللعبة وإعادة توزيع موازين القوى إذ سمحت لخصومها أن يبنوا استراتيجياتهم على تقديرات خاطئة فالصواريخ التي بدت بلا جدوى ضد إسرائيل أعطت انطباعا بأن سقف القوة الإيرانية محدود وهو ما دفع أمريكا وإسرائيل إلى الاطمئنان الزائف والوقوع في فخ الثقة المفرطة وفي الوقت نفسه أخفت إيران تقنياتها الأكثر تطورا وامتنعت عن استخدام الضربات الحاسمة لتبقي الخصم في حالة ارتباك دائم غير قادر على التنبؤ بالخطوة التالية ومع مرور الوقت بدأت إيران تكشف عن قدرات جديدة أكثر دقة وتأثيرا فأربكت خصومها وأجبرتهم على إعادة النظر في حساباتهم لكنها كانت قد أوقعتهم بالفعل في مستنقع المواجهة وفقدوا القدرة على الانسحاب دون خسائر جسيمة

ثم جاء التحول الأبرز حين أظهرت إيران قوتها الرادعة ودمرت قواعد أمريكا وإسرائيل في المنطقة فاكتمـل الفخ واستثمرت الفرصة لتفرض واقعا جديدا يجعل الوجود الأمريكي مكلفا وغير مستدام ويمنحها القدرة على السيطرة على الخليج والممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز والموانئ الاستراتيجية التي تشكل شرايين التجارة العالمية وهنا لم يعد الأمر مجرد مواجهة عسكرية بل تحول إلى معركة على السيادة والهيمنة على أهم الممرات التي تحدد مصير الاقتصاد العالمي

وحين استهدفت الرموز الدينية والعقائدية للشيعة تحولت المواجهة إلى قضية هوية وكرامة فأصبح الرد الإيراني دفاعا عن المقدسات لا مجرد فعل عسكري وهذا البعد الرمزي منحها شرعية شعبية واسعة وعزز حضورها السياسي والإقليمي وجعلها قوة لا يمكن عزلها أو تصويرها كعدو مطلق فالتعاطف الشعبي الذي ولد من استهداف اكبر شخصية شيعية مقدسة منح إيران قوة ردع إضافية تتجاوز حدود السلاح وتصل إلى عمق الوجدان الجمعي للشعوب

وهكذا نسجت إيران فخا استراتيجيا عبر إظهار ضعف مصطنع ثم استغلت الفرص التي وفرتها أخطاء واشنطن وتناقضات حلفائها فمزجت بين التخطيط المسبق واستثمار اللحظة لتقلب موازين القوى وتحول كل ضربة إلى ورقة ضغط وكل استهداف إلى فرصة لتعزيز حضورها والسيطرة على الخليج والمنطقة ولم تراهن فقط على القوة العسكرية بل على القوة الرمزية والسياسية وعلى القدرة على تحريك ملايين القلوب والعقول لتتحول من لاعب دفاعي إلى قوة إقليمية تفرض شروطها وتحقق أهدافا استراتيجية بالغة الأهمية في السيطرة على الموانئ والممرات وإعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي في المنطقة

بهذا تكون إيران قد أثبتت أن الفخ والفرصة ليسا مجرد مفاهيم نظرية بل أدوات عملية في صناعة النفوذ وأنها استطاعت عبر هذا المزج أن تفرض نفسها قوة لا يمكن تجاوزها في معادلات الخليج والشرق الأوسط وأنها حولت نقاط ضعفها الظاهرة إلى مكاسب استراتيجية جعلت خصومها في موقع الدفاع الدائم وجعلت حضورها في المنطقة حضورا لا يمكن تجاهله أو تقليصه .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى