كتابنا

أما آن الأوان إعلان الشيعة طائفة منكوبة

 

*بقلم: ناجي علي أمهز*

إلى الدولة اللبنانية، بكل أركانها ومؤسساتها: حين يضرب “تسونامي” جارف أو يهز زلزال مدمر أي مدينة في أصقاع الأرض، تتداعى الدولة، تُعلن النفير العام، تصنف المنطقة منكوبة، وتناشد العالم لمد يد العون، رغم أن الزلزال لا يستغرق سوى ثوانٍ معدودة. أما آن لهذه الدولة أن تدرك بأن ما يضرب الطائفة الشيعية ومناطقها هو “تسونامي” قصف إسرائيلي لم ينقطع منذ سنوات، زلزالٌ عسكري وبحري وجوي محا عشرات القرى من الخارطة، وحوّل الحواضر إلى ركام؟ إن ما يحدث ليس جولة قتال عابرة، بل هو زلزال وجودي يستوجب إعلان النفير العام واعتبار هذه المناطق “منكوبة” بكل ما للكلمة من أبعاد قانونية وإنسانية.

 

لقد رأينا كيف انتفض العالم حين اشتعلت الحرب في سوريا، حيث سارعت الأمم المتحدة والدول الكبرى لإطلاق مشاريع الدعم، وتأمين المسكن والطبابة، وفتح أبواب الهجرة والتحصين الدولي للنازحين السوريين. بل إن المجتمع الدولي فرض على لبنان تحمّل أعباء هذا النزوح الذي التهمت آفته مقومات الصمود، حتى بتنا نرى النازح السوري يشغل اليوم 30% من الشقق السكنية، ما رفع الإيجارات إلى حدود جنونية، ونافس العامل اللبناني في لقمة عيشه، ليجد اللبناني “الأصيل” نفسه بلا مأوى ولا عمل في وطنه، بينما يلتهم “الأغراب” كل شيء أمامه. والمفارقة المأساوية أن المسافة التي قطعها النازح السوري هي ذاتها التي يقطعها ابن الجنوب اليوم نحو الداخل، مع فارق جوهري؛ أن “الشيعة” هم من احتضنوا السوريين، وأسكنوهم، بل وطرد بعضهم أبناء جلدته من أجل “النازح”، واليوم يجد الشيعي نفسه وحيداً في مواجهة العراء.

 

وحتى في غزة الجريحة، تحركت الضمائر العالمية، ووقفت قوافل المساعدات طوابير عند المعابر في محاولة لترميم الانكسار الإنساني. أما في لبنان، حيث لا تختلف المشاهد عن غزة لا في حجم الدمار ولا في عداد الشهداء والجرحى، فلا نجد إلا مساعدات “خجولة” وصمتاً عالمياً مطبقاً، وكأن هناك قراراً دولياً بترك الشيعة لمصيرهم تحت الركام، بلا نصير ولا مدافع.

 

حتى مع نهاية الحرب الأهلية اللبنانية، فُتحت أبواب الهجرة والحياة الكريمة لأبناء الطوائف الأخرى، بينما يُراد للشيعي اليوم أن يبقى محاصراً بين نار الحرب ومرارة التخليـ او الموت جوعا او قتلا.

 

وفي ظل هذه الحرب الكبرى على الطائفة، يطالب البعض وحتى الدول، الشيعة بالانقلاب على حزب الله. ومن سيفكر في الانقلاب وهو يشاهد الجميع تخلى عنه، بينما يقوم الحزب بتأمين لقمة العيش وحبة الدواء لبيئة تُرِكت لمصيرها على قارعة الطريق؟

 

إن الذي يطالب الشيعة بالتخلي عن الحزب، لا يعلم أنهم يدركون يقيناً أنه في اليوم الذي ينتهي فيه هذا الحزب، لن يجدوا من يطرق بابهم ليقدم لهم وجبة غذاء أو حليب أطفال.

 

فان كانت الدولة اللبنانية والدول عاجزة عن تأمين وجبة طعام ثمنها بضعة دولارات للنازحين، هل ستكون هذه الدول قادة على تأمين تعليم وطببابة ومستقبل عشرات الالاف من عوائل الشهداء والجرحى.

 

حين وضعا “خارطة طريق” قبل عام ونيف لتجنب الانهيار الكامل، اتهمنا البعض بالمبالغة؛ فإذا كنتم تريدون معالجة السلاح فعلاً، فعليكم أولاً تأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة لهذه الطائفة، وإيقاف الحرب فوراً بضمانات دولية، وبعدها “لكل حادث حديث”.

 

بل من يتابع مسير المجتمع الدولي والدولة وبقية اللبنانيين الذين يتفرجون على مأساة الشيعة وكانهم يشاهدون “فيلم سينما” فأنك تفهم ان هناك مخططا ابادة للشيعة وحتى ليس ترحيلهم.

 

وانا اعرف هذا الامر منذ عام 2019 وكتبت وتحدثت عنه، وكشفت كافة معالمه، لكن ان يطبق السيناريو فانه جريمة كبرى.

 

إننا أمام طائفة لم تعد تملك مؤسسة توظف ثلاثة أشخاص، طائفة دمرت او أغلقت مؤسساتها، وباعت أملاكها وسياراتها وذهب نسائها برخص التراب لتنجو من الموت، واليوم استُنزفت تماماً.

 

فمن في هذه الطائفة قادر على إنقاذها؟ هل هم رجال الدين الذين عجزوا حتى عن عقد مؤتمر واحد لوضع رؤية نظرية للاستنهاض، واكتفوا بدور الدعاء بعدما اعتادوا على الخمس والزكاة؟ اليوم بات لأصغر ناشط على منصات التواصل تأثيراً يفوق تأثير عشرات العمائم المجتمعة.

 

أم هم “أغنياء الطائفة” وغالبيتهم مصابون بعقدة “نقص المال”، الذين يشيدون القصور بملايين الدولارات ليميزوا أنفسهم عن فقرائهم، فإذا ما دُمّرت قصورهم، بخلوا بدولارات قليلة لترميم جرح أهلهم؟

 

أما السياسيون، فقد أثبتوا أنهم الأسوأ في تاريخ الشأن العام؛ بلا حسّ ولا خبر، يحاولون تسلق أي جهد إيجابي للبقاء في السلطة، بينما هم في الحقيقة “مهرجون” إعلاميون لا وزن لهم في مراكز القرار الدولي، غارقون في فساد دفع الشيعة وحدهم ثمنه الباهظ.

 

إنني لا أريد رسم صورة سوداوية للنهاية، ولكن إذا استمر هذا النزيف، فإن الخاسر الأكبر هو لبنان الذي سيتحول إلى “ضفة وغزة” أخرى، وتصبح مؤسساته الرسمية مجرد هياكل ورقية شبيهة بمؤسسات السلطة الفلسطينية.

 

يقال إن الحزب أخطأ وعليه دفع الثمن، حزب الله يدفع الثمن وهو يقاتل ويقتل ويقتل ولا فرق فيه بين قيادي او حتى جهادي، ولكن لماذا لم تدفع الطبقة السياسية ثمن نهب الودائع وانهيار النظام المالي؟ إن حساباتهم معروفة للقاصي والداني، بينما الشعب هو من يدفع الفاتورة من دمه.

 

لماذا لم تحاسب الدولة اللبنانية التي ولدت في عام 1990 وهي لم تقم ببناء المصانع بل حولت غالبية الشعب الى شعب يعيش على المساعدات الريعية ان كان من الاحزاب او الزعماء، وحتى البعض تحول الى مجتمع يضارب في الاقتصاد اللبناني حيث ترك المزارع دون دعم، والعامل دون ضمانات يتذكرونه فقط في ايار عيد العمال.

 

دعونا ننقذ ما تبقى من لبنان، والانتخابات قادمة والديمقراطية هي الفيصل والشعب راس السلطة، ولكن قبل كل شيء: أوقفوا الحرب، أعلنوا المناطق الشيعية منكوبة، وحركوا العالم قبل أن يبتلعنا الركام جميعاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى