كرة القدم ليست مجرد لعبة، بل هي اللغة الوحيدة التي تتحدث بها شعوب الأرض دون حاجة إلى مترجم. فهي الرياضة الأكثر انتشاراً لأن ممارستها لا تتطلب سوى كرة ومساحة صغيرة؛ في الأزقة، والساحات، والمدارس، والحقول، وحتى على الطرق الترابية. ولهذا أصبحت اللعبة الأقرب إلى قلوب الناس والأكثر قدرة على جمع الشعوب وتجاوز الحدود والثقافات. لقد سعت الدول العربية، شأنها شأن بقية دول العالم، إلى بناء منتخبات وطنية قادرة على المنافسة ورفع رايات أوطانها في المحافل الدولية، إلا أن النتائج ظلت متفاوتة بين دولة جعلت كرة القدم مشروعاً وطنياً واستثماراً طويل الأمد، وأخرى تعاملت معها بعقلية مؤقتة أو خضعتها للاعتبارات السياسية والشخصية. إن التجارب العالمية أثبتت أن النجاح الكروي لا يولد من الصدفة، ولا يتحقق بالشعارات، بل يبدأ من الإدارة. فعندما تُدار المؤسسات الرياضية على أساس الكفاءة والخبرة والنزاهة، بعيداً عن المحاصصات الحزبية والمصالح الضيقة، تظهر النتائج على أرض الملعب. أما حين تتحول المناصب الرياضية إلى غنائم تتقاسمها الجهات المتنفذة، فإن المنتخب يصبح ضحية للصراعات والتجاذبات، وتضيع المواهب بين قرارات غير مدروسة واختيارات لا تستند إلى معايير فنية. إن بناء منتخب قوي لا يحتاج إلى معجزات، بل إلى إرادة حقيقية تمنح أهل الاختصاص فرصة العمل. أعطني إدارة رياضية محترفة، واتحاداً مستقلاً، ومدرباً يُختار وفق الكفاءة لا العلاقات، ولجنة فنية تضم أصحاب الخبرة، ومنظومة اكتشاف للمواهب تمتد من المدارس إلى الأندية، أعطك منتخباً قادراً على مقارعة كبار العالم. فالنجاح في كرة القدم يبدأ من المكتب قبل أن يبدأ من الملعب. وعندما يُرفع تأثير السياسة عن القرار الرياضي، وتُمنح الثقة لأصحاب الخبرة، تتحول المواهب الكامنة إلى إنجازات، ويصبح الحلم مشروعاً واقعياً لا مجرد أمنية. ولهذا يمكن اختصار القضية كلها بجملة واحدة: أعطني فريق عمل متكاملاً بعيداً عن المحاصصة والتدخلات، أعطك نتائج مبهرة ترفع اسم الوطن بين كبار العالم. فالمشكلة في كثير من الأحيان ليست في اللاعبين، بل في البيئة التي يُطلب منهم أن ينجحوا داخلها.