مَزْرَعَةُ الْحَيَوَانَاتِ.. عِنْدَمَا تَتَحَوَّلُ الثَّوْرَةُ إِلَى نُسْخَةٍ أَشَدَّ قَسْوَةً مِنَ الظُّلْمِ

مَزْرَعَةُ الْحَيَوَانَاتِ.. عِنْدَمَا تَتَحَوَّلُ الثَّوْرَةُ إِلَى نُسْخَةٍ أَشَدَّ قَسْوَةً مِنَ الظُّلْمِ
✍️ فريق تحرير الوسق
كُلُّنَا سَمِعْنَا بِرِوَايَةِ «مَزْرَعَةِ الْحَيَوَانَاتِ» لِلْأَدِيبِ جُورْج أُورْوِيل، تِلْكَ الْحِكَايَةُ الَّتِي تَبْدُو لِلْوَهْلَةِ الْأُولَى قِصَّةَ أَطْفَالٍ بَسِيطَةً، لِتَكْشِفَ لَنَا سِرَاعاً أَنَّهَا مِرْآةٌ صَادِقَةٌ تُعْكِسُ أَعْمَقَ تَنَاقُضَاتِ الْإِنْسَانِ وَأَمْرَاضَ السُّلْطَةِ الَّتِي عَانَتْ مِنْهَا الشُّعُوبُ عَبْرَ الْعُصُورِ. فِي الرِّوَايَةِ، تَثُورُ الْحَيَوَانَاتُ عَلَى صَاحِبِ الْمَزْرَعَةِ الظَّالِمِ، تَطْرُدُهُ مِنْ أَرْضِهَا، وَتُعْلِنُ بِفَخْرٍ مِيلَادَ عَصْرٍ جَدِيدٍ: لَا سَيِّدَ يَسْيِطَرُ بَعْدَ الْيَوْمِ، لَا قَمْعًا يَكْسِرُ الْعَزِيمَةَ، لَا اسْتِغْلَالًا يَنْهَكُ الْجَسَدَ، لَا صَيْحَاتٍ تُؤْذِي السَّمْعَ وَلَا سِيُوطًا تَجْرَحُ الظَّهْرَ؛ جَمِيعُ الْحَيَوَانَاتِ مُتَسَاوِيَةٌ، جَمِيعُهَا شَرِيكٌ وَاحِدٌ فِي الْأَمَلِ وَالْمُسْتَقْبَلِ.
هَكَذَا تَبْدُو كُلُّ الْبِدَايَاتِ الْكُبْرَى، مُتَوَهِّجَةً بِبُرَيْقِ الْعَدَالَةِ، مَحْمُولَةً بِحُلْمٍ جَمِيلٍ نَمِيلُ إِلَى تَصْدِيقِهِ دُونَ تَرَدُّدٍ، لِأَنَّنَا نَكُونُ حِينَئِذٍ قَدْ تَعِبْنَا جِدًّا مِنْ وَطْأَةِ الظُّلْمِ، وَاشْتَقْنَا إِلَى كَلِمَةِ «حَقٍّ» لَمْ نَسْمَعْهَا مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ. لَكِنْ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَبِبُطْءٍ مُخَادِعٍ لَا يُلَاحِظُهُ أَحَدٌ فِي الْبِدَايَةِ، تَبْدَأُ الثَّوْرَةُ بِتَغْيِيرِ جِلْدِهَا وَتَحَوُّلِ مَلَامِحِهَا. فَالْخِنَازِيرُ الَّتِي قَادَتِ التَّمَرُّدَ بِذَكَاءٍ وَتَنْظِيمٍ، تَجِدُ نَفْسَهَا أَقْرَبَ فَصَائِلِ الْحَيَوَانَاتِ إِلَى مَقْعَدِ السُّلْطَةِ، ثُمَّ أَكْثَرَ قَدْرَةً عَلَى تَفْسِيرِ الشِّعَارِ الثَّوْرِيِّ وَتَأْوِيلِهِ بِمَا يُنَاسِبُ مَصَالِحَهَا، ثُمَّ أَكْثَرَ جَرَأَةً عَلَى تَعْدِيلِهِ حَرْفًا حَرْفًا، حَتَّى يَصِلَ الْأَمْرُ فِي النِّهَايَةِ إِلَى تِلْكَ الْجُمْلَةِ الْمُرْعِبَةِ الَّتِي تَلْخِصُ سِرَّ كُلِّ اسْتِبْدَادٍ جَدِيدٍ: «كُلُّ الْحَيَوَانَاتِ مُتَسَاوِيَةٌ، لَكِنَّ بَعْضَهَا أَكْثَرَ مُسَاوَاةً مِنْ غَيْرِهِ».
هَذِهِ لَيْسَتْ حِكَايَةً عَنْ مَزْرَعَةٍ بَعِيدَةٍ، وَلَيْسَتْ قِصَّةً مُلْهِمَةً لِلْأَطْفَالِ، بَلْ هِيَ تَصْوِيرٌ مَرِيرٌ لِمَا يَحْدُثُ لِلْإِنْسَانِ حِينَ يَصِلُ إِلَى قِمَّةِ السُّلْطَةِ، حَامِلًا فِي جَيْبِهِ ذَاكِرَةَ الضَّحِيَّةِ الطَّوِيلَةِ، وَفِي قَلْبِهِ رَغْبَةَ الْجَلَّادِ الْكَامِنَةَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. وَالْأَمْثِلَةُ كَثِيرَةٌ حَوْلَنَا، تَكَادُ تَلَامَسُ الْأَيَّامَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ لَا يَكْرَهُونَ الظُّلْمَ لِأَنَّهُ ظُلْمٌ يَنْتَهِكُ الْكَرَامَةَ، بَلْ يَكْرَهُونَهُ فَقَطْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ يُمَارِسُونَهُ، وَلَمْ تَكُنْ سِيُوطُهُمْ هِيَ الَّتِي تَهْطِلُ عَلَى الظُّهُورِ.
إِنَّهَا دَرْسٌ مُكَرَّرٌ فِي تَارِيخِ الثَّوَرَاتِ جَمِيعِهَا: ثَوَرَاتٌ تَبْدَأُ بِأَصْوَاتِ الْفُقَرَاءِ وَالْمُحْتَاجِينَ وَالْمَظْلُومِينَ، وَتَنْتَهِي بِقِيَامِ طَبَقَةٍ جَدِيدَةٍ تَمْتَازُ بِامْتِيَازَاتٍ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً حَتَّى فِي عَهْدِ السَّيِّدِ الْمَطْرُودِ، وَشِعَارٌ تَظَلُّ مُعَلَّقَةً عَلَى الْجِدْرَانِ مُتَلَأْلِئَةً بِالْحِبْرِ الْأَحْمَرِ، بَيْنَمَا تَتَغَيَّرُ مَعَانِيهَا بِبُطْءٍ فِي خَفَاءِ اللَّيْلِ، دُونَ أَنْ يَسْمَعَ أَحَدٌ صَوْتَ التَّعْدِيلِ. فِي مُجْتَمَعَاتِنَا رَأَيْنَا مَنْ يَرْفَعُ شِعَارَ الْحُرِّيَّةِ وَيُنَادِي بِهَا حَتَّى يَكَادَ يَبْكِي الْجُمُوعَ، ثُمَّ يَصِلُ إِلَى مَقْعَدِ الْحُكْمِ فَيَكْتَشِفُ فَجْأَةً أَنَّ الْحُرِّيَّةَ جَمِيلَةٌ جِدًّا فَقَطْ وَهُوَ خَارِجَ أَسْوَارِ السُّلْطَةِ، أَمَّا دَاخِلَهَا فَهِيَ مَجْرَدُ فَوْضَى تُهَدِّدُ الِاسْتِقْرَارَ. رَأَيْنَا مَنْ يُهَاجِمُ الْفَسَادَ فِي عُهُودٍ سَابِقَةٍ بِأَشَدِّ الْعَبَارَاتِ إِدَانَةً، ثُمَّ يُعِيدُ إِنْتَاجَ هُوَ نَفْسُهُ ذَاتَ الْفَسَادِ بِأَسْمَاءٍ جَدِيدَةٍ وَمُبَرِّرَاتٍ مَنْطِقِيَّةٍ. وَرَأَيْنَا أَيْضًا مَنْ يَبْكِي عَلَى مَعَانَاةِ الشَّعْبِ فِي كُلِّ مُنَاسَبَةٍ، ثُمَّ لَا يَلْبَثُ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ أَنْ يَصْمُتَ قَلِيلًا، بِحُجَّةِ أَنَّهُ «لَا يَفْهَمُ خُصُوصِيَّاتِ الْمَرْحَلَةِ».
إِنَّ أَخْطَرَ مَا فِي الِاسْتِبْدَادِ لَيْسَ وَجْهُهُ الْقَدِيمُ الْمَأْلُوفُ الَّذِي تَعَوَّدَتِ الشُّعُوبُ عَلَى كَرْهِهِ، بَلْ قُدْرَتُهُ الْخَارِقَةُ عَلَى الْعَوْدَةِ بِوَجْهٍ جَدِيدٍ تَمَامًا، بِلُغَةٍ لَمْ نَسْمَعْهَا مِنْ قَبْلُ، وَبِمَلَابِسَ تَخْدَعُ النَّظَرَ: أَحْيَانًا يَرْتَدِي بَدْلَةَ الثَّوْرَةِ وَيَلْتَفُّ
بِوِشَاحِهَا، وَأَحْيَانًا يَحْمِلُ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ وَيَتَحَدَّثُ بِاسْمِ السَّمَاءِ، وَأَحْيَانًا يَرْفَعُ شِعَارَ الْأُمَّةِ وَالْوَحْدَةِ الْوَطَنِيَّةِ، وَأَحْيَانًا يَنْتَحِلُ صَوْتَ الْفُقَرَاءِ وَالْمُهَمَّشِينَ، وَأَحْيَانًا يُبَرِّرُ كُلَّ قَمْعِهِ بِاسْمِ الْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ. لَكِنْ مَهْمَا اخْتَلَفَتِ الْأَقْنِعَةُ، تَظَلُّ النَّتِيجَةُ وَاحِدَةً لَا تَتَغَيَّرُ: هُنَاكَ مَنْ يَجْلِسُ فَوْقَ الطَّاوِلَةِ يَأْكُلُ مَا يَشَاءُ، وَهُنَاكَ مَنْ سَيَظَلُّ إِلَى الْأَبَدِ يَجُرُّ الْعَرَبَةَ الْمَرْهُوقَةَ عَلَى طَرِيقٍ لَا نِهَايَةَ لَهُ.
لَقَدْ فَهِمَ أُورْوِيلُ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ حَقِيقَةً غَابَتْ عَنْ كَثِيرِينَ: أَنَّ الْمُشْكِلَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تَكْمُنُ فِي تَغْيِيرِ وَجْهِ الْحَاكِمِ فَقَطْ، بَلْ فِي تَغْيِيرِ فِكْرَةِ الْحُكْمِ ذَاتِهَا، فِي تَغْيِيرِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي تَسْكُنُ النُّفُوسَ. لِأَنَّكَ إِذَا طَرَدْتَ السَّيِّدَ مِنَ الْمَزْرَعَةِ، وَضَلَّتْ عَقْلِيَّةُ السَّيِّدِ مُتَجَذِّرَةً فِي أَعْمَاقِ مَنْ خَلَفُوهُ، فَإِنَّ الْمَزْرَعَةَ لَنْ تُغَيِّرَ سِوَى لَافِتَةِ بَابِهَا، وَسَتَظَلُّ السِّيَاطُ فِي أَمَاكِنِهَا بِالضَّبْطِ، بَلْ قَدْ تَزْدَادُ قَسْوَةً وَضَرْبًا، لِأَنَّهَا تَحْمِلُ الْآنَ شَرْعِيَّةَ الثَّوْرَةِ، وَكُلُّ اعْتِرَاضٍ عَلَيْهَا يُصْبِحُ هُجُومًا عَلَى كُلِّ مَا بَنَتْهُ الدِّمَاءُ.
وَهَذِهِ نُقْطَةٌ فَاصِلَةٌ لَا يُمْكِنُ التَّغَاضِي عَنْهَا؛ لِأَنَّ أَوَّلَ مَا تَسْرِقُهُ السُّلْطَةُ الْجَدِيدَةُ مِنَ النَّاسِ لَيْسَ خُبْزُهُمْ وَلَا أَمْوَالُهُمْ، بَلْ ذَاكِرَتَهُمْ أَوَّلًا، ثُمَّ لُغَتَهُمُ الَّتِي يَتَحَدَّثُونَ بِهَا. تَجْعَلُهُمْ يَنْسَوْنَ شَيْئًا فَشَيْئًا لِمَاذَا ثَارُوا فِي الْأَصْلِ، وَمَاذَا وَعَدُوا أَنْفُسَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَصُبُّوا الدِّمَاءَ، ثُمَّ تُعِيدُ لَهُمْ تَعْرِيفَ الْكَلِمَاتِ الْمَأْلُوفَةِ أَمَامَ عُيُونِهِمْ مَفْتُوحَةً، حَتَّى يَصِيرَ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْخَطَأِ مَجْرَدَ خِيَانَةٍ لِلْوَطَنِ، وَالتَّعَبُ الْمَرْهُوقُ تَضْحِيَةً جَلِيلَةً، وَالْجُوعُ الَّذِي يَقْضِمُ الْأَمْعَاءَ صَبْرًا وَطَنِيًّا يُحْتَفَى بِهِ فِي الْمُنَاسَبَاتِ.
كُلُّ تَجْرِبَةٍ جَمَاعِيَّةٍ كُبْرَى، كُلُّ ثَوْرَةٍ هَزَّتِ السَّاحَاتِ، كُلُّ حُلْمٍ جَمَعَ النَّاسَ تَحْتَ لِوَاءٍ وَاحِدٍ، هِيَ بِحَاجَةٍ مَاسَّةٍ إِلَى سُؤَالٍ قَاسٍ يَطْرَحُ نَفْسَهُ بِصَوْتٍ عَالٍ بَعْدَ هُدُوءِ الضَّجِيجِ الْأَوَّلِ: مَاذَا حَدَثَ حَقًّا بَعْدَ النَّشِيدِ الْأَوَّلِ؟ بَعْدَ الْهِتَافِ الَّذِي مَلَأَ السَّمَاءَ؟ بَعْدَ سُقُوطِ الصُّورَةِ الْقَدِيمَةِ مِنْ جِدْرَانِ الْقُصُورِ، وَكِتَابَةِ الْقَوَاعِدِ الْجَدِيدَةِ عَلَى الْوَرَقِ الْأَبْيَضِ؟ إِنَّ الْعِبْرَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ فِي أَنْ نَثُورَ عَلَى الظُّلْمِ وَنَطْرُدَهُ مِنْ بَيْنِنَا، بَلْ فِي أَلَّا نُقَدِّسَ مَنْ ثَارَ مَعَنَا، وَأَلَّا نُسَلِّمَ لَهُ مِفْتَاحَ الْحُكْمِ بِلَا مُرَاقَبَةٍ. لَيْسَتِ الْمُشْكِلَةُ فِي الْحُلْمِ الْجَمِيلِ الَّذِي نَحْلُمُهُ جَمِيعُنَا، بَلْ فِي لَحْظَةِ الضَّعْفِ الَّتِي نُسَلِّمُ فِيهَا الْحُلْمَ نَفْسَهُ لِطَبَقَةٍ صَغِيرَةٍ تَقُولُ لَنَا بِلَهْجَةٍ مُطْمَئِنَّة: «نَامُوا الْآنَ بِاطْمِئْنَانِ، نَحْنُ نَحْرُسُ الْحُلْمَ عَنْكُمْ».
لِأَنَّ الْأَحْلَامَ الَّتِي لَا يَحْرُسُهَا أَصْحَابُهَا بِوَعْيِهِمُ الدَّائِمِ وَمُتَابَعَتِهِمُ الْمُسْتَمِرَّ، تَتَحَوَّلُ بِسُرْعَةٍ مُذْهِلَةٍ إِلَى مَزْرَعَةٍ جَدِيدَةٍ تَمَامًا، لَهَا نَشِيدُهَا الْخَاصُّ الَّذِي يَرُدُّدُهُ الْجَمِيعُ، وَجَلَّادُهَا الْجَدِيدُ الَّذِي يَحْمِلُ اسْمَ الثَّوْرَةِ، وَبَيَانٌ طَوِيلٌ مَمْلُوءٌ بِالْبَلَاغَةِ يَشْرَحُ لِلْجَمِيعِ، بِكُلِّ هُدُوءٍ وَوِقَارٍ، لِمَاذَا لَمْ تَعُدْ كُلُّ الْحَيَوَانَاتِ مُتَسَاوِيَةً بَعْدَ الْيَوْمِ.



