كتابنا

الضرورات تبيح المحظورات .. وتُقدَّر بقدرها ..

الضرورات تبيح المحظورات .. وتُقدَّر بقدرها ..

✍️ كتب:أياد السماوي

يواجه العراق اليوم أزمة مالية استثنائية فرضتها ظروف خارجة عن إرادته ، بعد التراجع الحاد في الإيرادات النفطية ، الأمر الذي وضع الحكومة أمام تحدٍ غير مسبوق في تأمين رواتب الموظفين والمتقاعدين ومستحقي الرعاية الاجتماعية ، وهي التزامات لا تحتمل التأجيل ولا تقبل المساومة .. وفي مثل هذه الظروف ، لا بد من العودة إلى قاعدة راسخة في الفقه الإسلامي والإدارة الرشيدة معًا ، تقول ( الضرورات تبيح المحظورات وتُقدَّر بقدرها ) ، فهي قاعدة لا تفتح الباب لتجاوز الضوابط ، وإنما تجيز اتخاذ إجراءات استثنائية عند قيام الضرورة ، على أن تبقى محكومة بحدودها ، فلا يتحول الاستثناء إلى قاعدة، ولا الحل المؤقت إلى سياسة دائمة ..
ومن هنا يبرز سؤال وطني مشروع ، إذا كان الاحتياطي النقدي قد أُنشئ لحماية الدولة والاقتصاد في مواجهة الأزمات الاستثنائية ، فهل توجد ضرورة أكبر من أن تعجز الدولة عن الوفاء بالتزاماتها الأساسية تجاه مواطنيها ؟ إنّ الاحتياطي النقدي لم يُبنَ ليكون رقمًا نتباهى به في التقارير الدولية ، وإنما ليكون صمام أمان يحافظ على الاستقرار المالي والنقدي عندما تتعرض البلاد لظروف قاهرة .. ولذلك فإنّ اللجوء إلى استخدام جزء محدود منه في ظرف استثنائي كهذا لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه خروجًا على قواعد الإدارة المالية ، بل بوصفه تطبيقًا لجوهرها ، شريطة أن يكون الاستخدام محدودًا ، ومؤقتًا ، ومرتبطًا بهدف واضح هو عبور الأزمة بأقل الخسائر الممكنة ..
وعلينا أن ندرك أنّ الاحتياطي النقدي هو أحد ثمار السياسة المالية والنقدية ، وليس صنمًا لا يجوز الاقتراب منه .. فالغاية من تكوينه لم تكن تجميد الأموال ، وإنما حماية الدولة والاقتصاد والمجتمع عندما تتعرض البلاد لظروف استثنائية . فإذا اقتضت الضرورة استخدام جزء محدود منه ، ضمن إطار قانوني واضح ، وبالتزام متزامن بإصلاح مالي حقيقي ، فإن ذلك لا يعد انتقاصًا من قيمة الاحتياطي، بل تحقيقًا للغاية التي وُجد من أجلها ..
غير أنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في استخدام جزء من الاحتياطي النقدي ، وإنما في الاعتقاد بأنه يمثل الحل للأزمة .. فالاحتياطي يستطيع أن يوفر للدولة الوقت ، لكنه لا يستطيع أن يعالج الاختلالات البنيوية التي تراكمت في المالية العامة على مدى سنوات طويلة ..
ولهذا فإنّ أي قرار باستخدام جزء من الاحتياطي النقدي يجب أن يقترن ، منذ اللحظة الأولى ، بإطلاق برنامج إصلاح مالي شامل ، لأن الأزمة الحالية أثبتت بما لا يقبل الشك أن الاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية يجعل المالية العامة رهينة لأي أزمة خارجية ، مهما كان مصدرها .. وهذا الإصلاح يقوم على ركيزتين أساسيتين لا غنى لإحداهما عن الأخرى ..
الركيزة الأولى .. تخفيض النفقات العامة .. وليس المقصود بذلك المساس برواتب الموظفين أو حقوق المواطنين ، وإنما القضاء على الهدر المالي ، وترشيد الإنفاق الحكومي ، وإعادة ترتيب أولويات الموازنة ، وإيقاف النفقات غير الضرورية ، وتعزيز كفاءة الإنفاق العام ، بما ينسجم مع طبيعة المرحلة الاستثنائية التي يمر بها العراق ..
أما الركيزة الثانية .. تعظيم الإيرادات غير النفطية .. وذلك من خلال إصلاح النظام الضريبي ، ومكافحة التهرب الضريبي ، وإصلاح المنافذ الحدودية ، وتطوير عمل الهيئة العامة للكمارك ، وتفعيل الجباية القانونية ، واستثمار أصول الدولة ، وإغلاق منافذ الفساد التي تستنزف مليارات الدنانير سنويًا .. فهذه الموارد ليست مفقودة، وإنما تحتاج إلى إدارة كفوءة وإرادة سياسية لا تعرف التردد ..
إنّ الأزمة الحالية ينبغي ألا تكون مبررًا لتأجيل الإصلاح ، بل يجب أن تكون الدافع الحقيقي للإسراع به .. فالتاريخ يعلمنا أنّ كثيرًا من الإصلاحات الكبرى لم تولد في أوقات الرخاء ، وإنما فرضتها الأزمات ، واستطاعت الدول التي أحسنت استثمارها أن تتحول من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة صناعة الاستقرار ..
إنّ الاحتياطي النقدي ينبغي أن يكون جسرًا نعبر به الأزمة ، بينما يكون الإصلاح المالي هو الطريق الذي يمنع تكرارها .. أما الاكتفاء باستخدام الاحتياطي دون إصلاح ، فلن يعني سوى تأجيل المشكلة إلى موعد آخر ، وربما بصورة أكثر تعقيدًا ..
إنّ مسؤولية الحكومة اليوم لا تقتصر على تأمين الرواتب وتجاوز الأزمة الراهنة ، وإنما تمتد إلى استثمار هذه الأزمة بوصفها فرصة تاريخية لإطلاق إصلاح مالي شامل ، يقوم على ركيزتين لا بديل عنهما ، تخفيض النفقات العامة من خلال القضاء على الهدر وترشيد الإنفاق ، وتعظيم الإيرادات غير النفطية عبر إصلاح النظام الضريبي والكمركي ، ومكافحة التهرب الضريبي والفساد ، واستثمار موارد الدولة بكفاءة وعدالة ..
فإذا كانت الضرورات تبيح المحظورات ، فإنها في الوقت نفسه تُقدَّر بقدرها ، أما الإصلاح المالي فلا تحكمه الضرورات ، بل تحكمه مسؤولية وطنية دائمة ، لأنه السبيل الوحيد لبناء اقتصاد عراقي قوي ، قادر على حماية الدولة والمواطن ، ومواجهة الأزمات دون أن يبقى مصير البلاد مرهونًا بكل أزمة طارئة ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى