ادبية

عندما تسقط المعايير… يبدأ سقوط الوطن

عندما تسقط المعايير… يبدأ سقوط الوطن

✍️ كتب:راهي الحاتم

ليست الدول مرهونة بأبنيةٍ شاهقة، ولا بقوانين مكتوبة، ولا بمؤسسات تحمل أسماء كبيرة؛ إنما قوتها الحقيقية تبدأ من المعيار الذي تختار به من يتولى المسؤولية.

تُتداول عبارة تُنسب إلى تشي جيفارا تقول، في مضمونها، إن الوطن يتحول إلى غابة عندما يمسك الجاهل بالقلم، والمجرم بالقوة، والخائن بالسلطة، والفاسد بالإدارة، والمنافق بالإعلام. وبصرف النظر عن صحة نسبتها، فإن معناها يختصر أزمة سياسية واجتماعية تتكرر في تجارب كثيرة.

المشكلة ليست أن يوجد جاهل أو فاسد أو منافق؛ فهذه عيوب بشرية لا يخلو منها مجتمع. المصيبة أن تتحول هذه الصفات إلى مؤهلات للوصول.
عندما يصبح الولاء أهم من الكفاءة، والعلاقة أهم من القانون، والمال أهم من النزاهة، والصوت المرتفع أهم من الحقيقة، تبدأ مؤسسات الدولة بفقدان وظيفتها تدريجياً.
القلم الذي يفترض أن يصنع الوعي يصبح أداة للتضليل، والإدارة التي يفترض أن تخدم المواطن تتحول إلى شبكة مصالح، والسلطة التي يفترض أن تكون أمانة تصبح امتيازاً، والإعلام الذي يفترض أن يراقب السلطة يتحول أحياناً إلى جزء من لعبة النفوذ.
وهنا لا يعود الفساد مجرد سرقة للمال العام؛ بل يصبح فساداً في المعايير.
وهذا هو النوع الأخطر من الفساد، لأن سرقة المال يمكن اكتشافها ومحاسبة مرتكبها، أما سرقة معيار الكفاءة والنزاهة من المجتمع، فإنها تجعل الفساد يعيد إنتاج نفسه جيلاً بعد جيل.
الدولة لا تنهار عندما يفشل مسؤول واحد، وإنما عندما تصبح المؤسسات عاجزة عن تصحيح أخطائها، وعندما يفقد المواطن ثقته بأن القانون قادر على إنصافه، وأن الكفاءة يمكن أن تصل، وأن النزاهة ليست عقوبة على صاحبها.
لذلك فإن السؤال الأهم ليس: من الفاسد؟
بل: من الذي سمح للفاسد أن يصل؟ ومن الذي أبقى له الطريق مفتوحاً؟ ومن الذي جعل المجتمع يتعامل مع فساده باعتباره أمراً عادياً؟
إن إصلاح الأوطان يبدأ من استعادة المعايير قبل استعادة المناصب، ومن إعادة الاعتبار للكفاءة قبل الولاء، وللقانون قبل النفوذ، وللحقيقة قبل الدعاية.
فحين يصبح الفساد استثناءً، يمكن للدولة أن تحاربه.
أما حين يصبح الفساد قاعدة، ويصبح النفاق طريقاً، والجهل نفوذاً، والمحسوبية نظاماً، فإن المشكلة لم تعد في أشخاص فاسدين فقط؛ بل في منظومة تحتاج إلى إصلاح عميق.
الأوطان لا تسقط أولاً على الخرائط… إنها تسقط في عقول أبنائها عندما يفقدون القدرة على التمييز بين من يستحق المسؤولية ومن يستحق المحاسبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى