هكذا سقط وهرب النظام بعدما أراد حرق وتدمير سورية.
كتب / سعيد فارس السعيد
حين ينهار الداخل قبل أن تسقط الجبهات
لفهم سقوط بشار الأسد، لا يكفي أن نبدأ من حلب وحماة وحمص ودمشق، بل يجب العودة إلى السنوات التي سبقت السقوط، حين بدأ الداخل السوري يفقد تدريجياً عناصر القوة والثقة والتماسك.
تولى بشار الأسد السلطة عام 2000 بعد وفاة والده الرئيس حافظ الأسد، وكان أمامه في البداية فرصة لإطلاق إصلاح سياسي وإداري واقتصادي، ومحاربة الفساد، وتعزيز استقلال القضاء، وإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع.
لكن السنوات اللاحقة شهدت، بدلاً من ذلك، ازدياداً في مركزية القرار، واتساع نفوذ الأجهزة الأمنية وشبكات المصالح، وتراجعاً في قدرة المؤسسات على فرض القانون والمحاسبة.
من دولة المؤسسات إلى دولة النفوذ
أصبحت المحسوبيات والواسطة والفساد واستغلال النفوذ حاضرة في قطاعات متعددة، من الوظائف والتعيينات والمسابقات إلى المؤسسات العسكرية والأمنية.
ولم تعد المشكلة مجرد فساد أفراد، بل تحولت تدريجياً إلى شبكات مصالح قادرة على حماية نفسها.
وفي الوقت نفسه، تراجعت الخدمات العامة، وكثرت الرسوم والجبايات، وانخفضت قيمة الليرة السورية، وارتفعت الأسعار، واتسعت دائرة الفقر، بينما شعر المواطن بأن الدولة تطلب منه أكثر مما تستطيع أن تقدم له.
ومع ضعف استقلال القضاء وتوسع النفوذ الأمني، تراجعت ثقة المواطن بمؤسسات الدولة.
استغلال المخاوف والأقليات
ومن أخطر ما يجب التوقف عنده أن النظام السابق استفاد من المخاوف الطائفية والاجتماعية، وقدم نفسه أمام بعض المكونات باعتباره الحامي من خطر المكونات الأخرى.
فالسلطة التي تجعل الخوف من الآخر وسيلة للحفاظ على الولاء، تساهم عملياً في إضعاف الوحدة الوطنية.
وكان الملف الشيعي من الملفات التي جرى توظيفها سياسياً وأمنياً من خلال العلاقة مع إيران وحزب الله.
لكن يجب التفريق بوضوح بين الشيعة السوريين كمكوّن وطني سوري وبين إيران أو حزب الله أو أي قوة سياسية وعسكرية خارجية.
فالشيعة السوريون ليسوا مسؤولين عن سياسات النظام السابق، ولم تكن لهم امتيازات خاصة كما قد يوحي بعض الخطاب السياسي، بل تعرضوا، كغيرهم من السوريين، للقمع والتضييق والاعتقال.
وقد استفاد النظام وحلفاؤه من الخوف من الإرهاب والتكفير والاقتتال الطائفي، كما استفادوا من أخطاء بعض أطراف المعارضة وخطابها الطائفي، لدفع بعض البيئات إلى الاحتماء بقوى خارجية.
وهكذا تحولت الطائفة، بدلاً من أن تكون جزءاً طبيعياً من النسيج الوطني، إلى ورقة في صراع السلطة.
من الاحتجاج إلى الحرب
عندما بدأت الاحتجاجات السلمية المطالبة بالإصلاح، كان يمكن تحويلها إلى فرصة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
لكن المواجهة الأمنية، ثم عسكرة الحراك، ساهمتا في تحويل الأزمة من مطالب إصلاحية إلى حرب مفتوحة.
وخلال سنوات الحرب، تعرضت سورية لدمار واسع، وتشرد الملايين، وانكمش الاقتصاد، وازدادت الانقسامات الاجتماعية، بينما بقيت الدولة عاجزة عن معالجة جذور الأزمة.
الجيش… الحلقة التي انكسرت
لم يكن ضعف الجيش في نهاية عام 2024 نتيجة الهجوم الأخير وحده.
فقد تراكمت داخله مشكلات الرواتب، والفساد، والمحسوبيات، وشراء الإعفاءات، والإرهاق، وتراجع المعنويات، وضعف الثقة بالقيادة.
وعندما بدأت الجبهات بالانهيار، ظهرت هذه المشكلات دفعة واحدة.
فالقوة العسكرية لا تقوم بالسلاح والعدد فقط، وإنما بالقيادة والسيطرة والانضباط والمعنويات والثقة.
من حلب إلى دمشق
في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 بدأ الهجوم من شمال غرب سورية.
سقطت حلب، ثم انهارت مواقع في ريفها، وسقطت حماة، وأصبحت حمص مهددة، وفي الوقت نفسه تحركت قوى محلية في الجنوب السوري.
وبالتزامن كان وضع حلفاء النظام قد تغير جذرياً:
إيران لم تعد تمتلك القوة نفسها داخل سورية، وحزب الله كان مستنزفاً ومنشغلاً بجبهته مع إسرائيل، بينما لم تكن روسيا مستعدة لتكرار تدخلها العسكري الواسع الذي أنقذ النظام عام 2015.
وبذلك وجد الجيش السوري نفسه أمام هجوم واسع، في وقت كانت فيه منظومة الدعم الخارجية التي ساعدته على الصمود خلال سنوات الحرب قد تراجعت.
الدوحة وموسكو… أسئلة بلا إجابات نهائية
انعقد اجتماع الدوحة في 7 كانون الأول/ديسمبر، قبل سقوط دمشق بساعات، بمشاركة قوى إقليمية ودولية.
ولا توجد، حتى الآن، وثائق علنية موثوقة تثبت وجود اتفاق سري دولي أو إقليمي يقضي بإسقاط بشار الأسد.
لكن الثابت أن النظام لم يحصل على الدعم العسكري الذي كان يحتاج إليه لإنقاذه، وأن القوى التي ساعدته سابقاً لم تكن مستعدة لخوض مواجهة جديدة من أجل بقائه.
وهنا يجب التفريق بين وجود اتفاق سري غير مثبت وبين حقيقة أن موازين القوى الإقليمية والدولية تغيرت، وأن النظام أصبح عملياً بلا قدرة كافية على الصمود.
الساعات الأخيرة
مع سقوط حلب وحماة، واقتراب المعارك من حمص، وتحرك الجنوب، بدأت منظومة القيادة والسيطرة داخل الجيش بالتفكك.
ولا توجد وثيقة علنية موثوقة تثبت صدور أمر شامل للجيش بترك مواقعه، لكن الوقائع تشير إلى اتساع الفرار والانشقاق وترك المواقع وفقدان الاتصال بين وحدات عسكرية وقياداتها.
وفي الساعات الأخيرة غادر بشار الأسد دمشق، ثم غادر سورية إلى روسيا.
وفي صباح 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 دخلت قوات المعارضة دمشق، وانتهى حكم الأسد وحزب البعث الذي استمر أكثر من خمسة عقود.
الجبهات لا تنهار في يوم واحد
إن الخطأ الأكبر في قراءة سقوط النظام هو اختزاله في أسبوع واحد.
فالسقوط العسكري كان نتيجة سنوات من التآكل الداخلي:
الفساد والمحسوبيات،
ضعف المؤسسات،
تراجع استقلال القضاء،
التجاوزات الأمنية،
انهيار الخدمات،
انخفاض قيمة الليرة،
اتساع الفقر،
كثرة الجبايات،
استغلال النفوذ،
تراجع الثقة بالدولة،
وإضعاف معنويات الجيش.
ثم جاء تراجع الحلفاء.
ثم جاء الهجوم.
فانهارت الجبهات بسرعة، لأن الداخل كان قد بدأ بالانهيار قبلها بسنوات.
فالجبهات لا تنهار في يوم واحد؛ إنها تنهار عندما يكون الداخل قد بدأ بالانهيار قبلها بسنوات.
من أراد حرق سورية… انتهى به الأمر إلى الهرب منها
لقد حاول النظام، وفق هذا المنظور، أن يحافظ على سلطته بأي ثمن، حتى أصبحت سورية نفسها تدفع ثمن الصراع.
فقد دُمّرت المدن والقرى، وتشرد الملايين، وانهارت قطاعات اقتصادية وخدمية، وتعمت الانقسامات، ودفع السوريون جميعاً أثماناً هائلة.
لكن التاريخ أثبت أن السلطة التي لا تستند إلى مؤسسات قوية وقانون عادل وثقة المجتمع قد تبدو قوية من الخارج، لكنها تصبح هشة عند أول اختبار كبير.
وهكذا انتهى النظام الذي أراد البقاء ولو احترقت سورية من حوله، إلى أن يغادر رئيسه البلاد، بينما بقيت سورية.
السقوط ليس نهاية المأساة
لكن سقوط النظام ليس نهاية المأساة.
فالمعركة الأصعب تبدأ بعد السقوط:
كيف تُبنى دولة لكل السوريين؟
كيف تُعاد الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة؟
كيف تُحمى جميع المكونات من الاستغلال السياسي والطائفي؟
وكيف نمنع إعادة إنتاج الفساد والمحسوبيات والاستبداد بأسماء جديدة؟
السقوط السياسي لا يعني نهاية المسؤولية، بل بداية معركة بناء الدولة.
دولة لا تكون ملكاً لسلطة أو حزب أو طائفة أو شبكة مصالح، بل دولة لكل السوريين.
خلاصة القول
لقد كتبنا ما يرتاح له ضميرنا، وقلنا ما نراه حقاً وواقعاً، والتاريخ بصفحاته سيكتب.
سيذهب الجميع… وتبقى سورية.
سورية الحضارة، وأم الأبجدية، وسورية التاريخ المجيد.
وسورية الجديدة اليوم، بكل آلامها وجراحها وأحزانها، ستنهض من جديد.
ستنهض بشعبها، وبكل مكوناتها الوطنية، كما ينهض طائر الفينيق من الرماد، لتعود أميرة الشرق بجمالها وجلالها وقوتها وشموخها، وبأصالة شعبها.
سورية واحدة، موحدة، مزدهرة، مستقرة وآمنة.
فقد تتغير الأنظمة، وتسقط السلطات، وتغيب الشخصيات، لكن الوطن يبقى.
سيذهب الجميع… وتبقى سورية.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل
متخصص بقضايا الأمن الاجتماعي والوطني

