كتابنا

المرجعية والمؤسسة والإنسان. من النجف الأشرف إلى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى

كتب / سعيد فارس السعيد

 

حين نتحدث عن النجف الأشرف، فإننا لا نتحدث عن مدينة دينية فحسب، بل عن حاضرة علمية وفكرية ارتبطت بالحوزة والمرجعية والاجتهاد، وأسهم علماؤها عبر قرون في بناء جانب أساسي من الفكر الديني الشيعي.

واحترام المرجعيات والعلماء لا يعني وضعهم في منافسة أو مفاضلة، بل يقتضي تقدير جهودهم العلمية والفكرية والاجتماعية، وقراءة أدوارهم بعيداً عن الاصطفافات.

لكن السؤال الأهم يبقى: كيف تتحول المرجعية من مصدر للعلم والتوجيه إلى قوة مؤسساتية قادرة على خدمة الإنسان والمجتمع؟

فالرسول محمد ﷺ لم يكن معلماً للأحكام فقط، وإنما بُعث ليتمم مكارم الأخلاق، وكان الهادي والبشير والنذير، ورحمة للعالمين وللناس أجمعين. وأهل البيت عليهم السلام قدموا، إلى جانب العلم، نهجاً في العدالة والكرامة ونصرة المظلوم وخدمة الإنسان.

ومن هنا فإن العلاقة بين المرجعية والمؤسسة ليست علاقة منفصلة بين مجالين، بل هي امتداد طبيعي بين الفكر والعمل؛ فالمرجعية تحفظ العلم والقيم وتقدم التوجيه، والمؤسسة تحول هذه القيم إلى برامج ومبادرات وخدمات تمس حياة الناس.

فالفقر لا يكفيه الحديث عن التكافل، والمريض يحتاج إلى رعاية، والطالب إلى فرصة، والأسرة المحتاجة إلى سند، والشباب إلى مؤسسات تحتضن طاقاتهم.

ولهذا فإن تطوير العمل الاجتماعي من المبادرات الفردية إلى العمل المؤسسي المنظم، في التعليم والصحة والثقافة والتكافل والبحث العلمي ورعاية الشباب، يجعل القيم الدينية أكثر حضوراً في حياة المجتمع.

الإمام موسى الصدر… حين تحول الفكر إلى مؤسسة

وهنا تبرز أهمية التجربة اللبنانية في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي تأسس بموجب قانون لبناني عام 1967، وارتبط مشروعه التأسيسي بالإمام السيد موسى الصدر.

لم تكن أهمية التجربة في إنشاء إطار لإدارة شؤون طائفة فحسب، وإنما في محاولة نقل قضايا الحرمان والعدالة الاجتماعية والعيش المشترك من مستوى الخطاب إلى مستوى المؤسسة والعمل الوطني.

فالإمام موسى الصدر لم يتعامل مع الدين باعتباره منفصلاً عن حياة الناس، بل ربطه بالكرامة والعدالة والحوار والدولة والوطن.

ومن هنا فإن الحفاظ على هذه المؤسسة وتطويرها لا ينبغي أن يكون مسؤولية أبناء الطائفة وحدهم، بل مسؤولية كل من يؤمن بأهمية المؤسسات الدينية والوطنية ودورها في خدمة الإنسان والمجتمع.

المرجعية تدعم المؤسسة

إذا كانت المرجعية هي مصدر العلم والتوجيه، وكانت المؤسسة هي الأداة التي تحول القيم إلى عمل، فإن الدعم المادي للمؤسسة يصبح جزءاً من مسؤولية التكامل بين المرجعية والمؤسسة.

ومن هنا أرى أهمية أن تتقدم كافة المراجع والمؤسسات الدينية الإسلامية الشيعية، كلٌّ بحسب قدرته وإمكاناته، إلى دعم المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى مادياً، إلى جانب الدعم العلمي والثقافي والاجتماعي.

فالمجلس مؤسسة وطنية لبنانية ذات دور ديني واجتماعي وثقافي، وتحتاج لكي تقوم بواجباتها إلى إمكانات مالية ومؤسساتية تتناسب مع حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقها.

والدعم المالي المقصود هنا ليس تمويلاً لنشاط سياسي، ولا مدخلاً للوصاية على القرار الوطني للمجلس، وإنما هو استثمار في المؤسسة، وفي قدرتها على خدمة الإنسان والمجتمع، وفي تطوير مدارسها ومراكزها وبرامجها الاجتماعية والثقافية والإنسانية.

وقد يكون هذا الدعم عبر صناديق مخصصة وشفافة، أو مشاريع تعليمية وصحية واجتماعية، أو منح للطلاب والباحثين، أو تمويل برامج ثقافية وحوارية، بحيث يكون لكل مساهمة هدف واضح وأثر قابل للقياس.

الدعم لا يعني الوصاية، والتمويل لا يعني التبعية.

بل إن استقلال المؤسسة هو الذي يجعل الدعم أكثر قيمة، لأنه يذهب إلى خدمة أهدافها الوطنية والاجتماعية بعيداً عن تحويله إلى أداة نفوذ.

من الطائفة إلى الوطن

هذه النقطة هي الأهم في قراءة تجربة المجلس.

فالخصوصية الدينية والمذهبية لا تعني الانغلاق، والدفاع عن حقوق طائفة لا يعني الانتقاص من حقوق الآخرين.

لبنان لا يستطيع أن يستقر بمنطق الجماعات المنعزلة، بل يحتاج إلى مؤسسات تحمي التنوع وتفتح مساحات الحوار، وتؤكد أن الدولة والشراكة الوطنية والعيش المشترك هي الإطار الذي يحفظ الجميع.

ومن هنا يمكن أن يكون المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بيتاً لكل أبناء الطائفة الشيعية، وملتقى لكل المكونات اللبنانية، ومساحة للحوار والتواصل مع الأشقاء العرب والمسلمين والأصدقاء.

استمرارية المشروع

إذا كان نهج وفكر وسلوك أهل البيت عليهم السلام هو الأساس القيمي والفكري الذي استند إليه الإمام موسى الصدر في مشروعه، فإن كل من تولى مسؤولية رئاسة المجلس بعد تغيبه يستحق الاحترام والتقدير، تقديراً لما تحمله من مسؤولية في استمرار المؤسسة وحفظ دورها.

وفي هذا السياق، أرى أن العلامة الشيخ علي الخطيب استطاع أن يعمق ويكرس ويفعل كثيراً من المبادئ والقيم التي انطلق منها الإمام المؤسس، على هدي فكر ونهج أهل البيت عليهم السلام.

وتظهر هذه الرؤية في خطاباته وتصريحاته ولقاءاته مع الفعاليات الإسلامية والوطنية، وكذلك في تواصله مع ممثلي الدول والهيئات الدولية، بما يعزز حضور المجلس كمؤسسة منفتحة على محيطها وحريصة على الحوار.

من المسؤولية الوطنية إلى الرسالة الأوسع

إن تطوير دور المجلس لا يعني منافسة المرجعيات الشيعية، بل التكامل معها.

فالمرجعية تقدم العلم والاجتهاد والتوجيه، والمؤسسة الوطنية تعرف احتياجات مجتمعها وتتحرك ضمن دولتها وقوانينها.

ومن هنا فإن الدعم العلمي والثقافي والاجتماعي والمالي من المرجعيات للمجلس يمكن أن يشكل نموذجاً عملياً لهذا التكامل، شرط أن يبقى دعماً لا وصاية، وتعاوناً لا تبعية.

كما أن المجلس، في المقابل، يستطيع أن يكون جسراً بين المرجعية والمجتمع، وبين الطائفة والوطن، وبين لبنان ومحيطه العربي والإسلامي، وبين المؤسسات الدينية والثقافية والإنسانية في العالم.

من المرجعية إلى الإنسان

إن قوة المرجعية لا تقاس فقط بما تنتجه من علم، وقوة المؤسسة لا تقاس فقط بحجم حضورها، وإنما بقدرتها على تحويل العلم والقيم إلى خدمة حقيقية للإنسان.

فالمرجعية علم وتوجيه، والمؤسسة تنظيم ومسؤولية، والدعم تكامل وشراكة، والوطن حقوق وواجبات، والدين أخلاق ورحمة، والإنسان هو الغاية.

ومن النجف الأشرف إلى لبنان، ومن المرجعية إلى المؤسسة، ومن المؤسسة إلى الإنسان، يمكن أن يتحول التراث الديني من معرفة محفوظة إلى مشروع حياة؛ مشروع يساند الفقير، ويعلم الطالب، ويرعى المريض، ويحمي كرامة الإنسان، ويعزز الحوار والوحدة الوطنية.

وهنا تحديداً تصبح مسؤولية المرجعيات أكبر من إصدار التوجيهات:

أن تساعد المؤسسات التي تحمل هذه الرسالة على الوقوف بقوة، وأن يكون الدعم المادي والعلمي والثقافي أحد أشكال هذه المسؤولية.

سعيد فارس السعيد

كاتب وباحث استراتيجي مستقل

«صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.»

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى