كتابنا

العراق بين الواقعية السياسية والأيديولوجيا.. أربع بوابات ومصلحة وطنية واحدة

العراق بين الواقعية السياسية والأيديولوجيا.. أربع بوابات ومصلحة وطنية واحدة

 

بقلم: راهي الحاتم

تأرجحت السياسة العراقية خلال أكثر من مئة عام بين مدرستين رئيسيتين: المدرسة الواقعية التي تنطلق من المصالح وموازين القوى، والمدرسة الأيديولوجية التي تتحرك وفق الانتماءات القومية أو الاشتراكية أو الدينية. وبين المدرستين، ظل العراق يواجه تحدياً أساسياً يتمثل في كيفية إدارة علاقاته الإقليمية بما يحفظ استقلال قراره ومصالحه الوطنية.

في العهد الملكي، برزت الواقعية السياسية في نهج نوري السعيد، المتأثر بالتقاليد الدبلوماسية البريطانية. وتجسّد هذا التوجه في مشروع حلف بغداد الذي جمع العراق وتركيا وإيران وباكستان وبريطانيا، بهدف بناء توازن استراتيجي إقليمي. لكن المشروع واجه منافسة من التوجه القومي العربي الذي قاده جمال عبد الناصر، ولا سيما مشروع عدم الانحياز، فتحولت المنافسة إلى صراع بين رؤيتين مختلفتين لموقع العراق ودوره في المنطقة.

ومع صعود القومية العربية، اتجهت قطاعات من القوى السياسية العراقية إلى تبني مشروع الوحدة العربية والارتباط بتجربة جمال عبد الناصر، حتى أصبح الانتماء القومي لدى بعض التيارات مقدّماً على خصوصية القرار الوطني. وفي المقابل، واجه عبد الكريم قاسم اتهامات بالإقليمية بسبب تمسكه باستقلال العراق. وقد كشفت هذه المرحلة عن خطورة تغليب الولاء الأيديولوجي على حساب المصالح الوطنية، حين تتحول الشعارات إلى بديل عن التفكير الاستراتيجي.

يمتلك العراق أربع بوابات جغرافية رئيسية: الشام غرباً، والخليج جنوباً، وإيران شرقاً، وتركيا شمالاً. وهذا الموقع يمنحه فرصاً واسعة للتعاون، لكنه يفرض عليه أيضاً إدارة دقيقة للعلاقات مع محيطه. فالتحالف مع دولة واحدة لا يكفي لحماية مصالحه، سواء كانت تركيا أو إيران أو إحدى الدول العربية، لأن لكل طرف حساباته ومصالحه الخاصة التي قد تتقاطع مع المصالح العراقية أو تتعارض معها.

لذلك، فإن الخيار الأنسب للعراق هو بناء علاقات متوازنة وتشاركية مع دول الجوار، تقوم على المصالح المتبادلة والتعاون الاقتصادي والأمني، بعيداً عن التبعية لمحور واحد أو الارتهان لمشروع أيديولوجي. فالعراق لا يستطيع الانعزال عن التفاعلات الإقليمية، لكنه يستطيع أن يشارك فيها من موقع الدولة المستقلة التي تحدد خياراتها وفق مصالحها الوطنية.

وهنا تبرز أهمية التمييز بين الدولة العازلة والدولة الحاجزة. فالدولة العازلة تؤدي دوراً فاصلاً بين قوى متنافسة، وقد يستند حيادها إلى تفاهمات وضمانات دولية، كما في الحالة السويسرية. أما الدولة الحاجزة، فقد تتحول إلى خط مواجهة متقدم تتحمل فيه العبء الأكبر من الصراعات، وهو ما يستدعي التوقف عند تجربة العراق خلال الحرب العراقية الإيرانية، حين رُفع شعار «حارس البوابة الشرقية»، بينما دفع العراقيون ثمناً باهظاً من أرواحهم واقتصادهم وفرص التنمية.

إن التجربة العراقية تؤكد أن التحالفات لا تُقاس بأسمائها وشعاراتها، بل بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة وحماية مصالح الدولة. كما أن الحياد لا يعني التخلي عن المواقف الوطنية، ولا أن تتحول الدولة إلى طرف بلا رؤية، بل أن تتخذ مواقفها باستقلالية، بعيداً عن ضغوط الآخرين.

إن العراق ليس مطالباً بأن يكون حاجزاً بين الدول، ولا تابعاً لمحور إقليمي، بل شريكاً في صناعة الاستقرار. فموقعه الجغرافي وتنوع علاقاته يمنحانه فرصة لتحويل بواباته الأربع من منافذ للصراع إلى جسور للتعاون والتكامل. وهذا يتطلب سياسة واقعية ناضجة، تجعل المصلحة الوطنية أساس القرار، وتضع العراق أولاً قبل الأيديولوجيا ومشاريع الآخرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى