لن أسمح باختطاف إرادة الشيعة في سورية مرة أخرى
. موقفي من التمثيل الديني والاجتماعي تحدّده المواقف والأعمال لا الولاءات.

كتب سعيد فارس السعيد
إن موقفي من الشخصيات العامة والدينية التي تتصدّى للشأن العام لا تحدّده الأسماء ولا المواقع ولا الجهات الداعمة، بل تحدّده الأعمال والمواقف، ومدى الالتزام بقضايا الناس وحقوقهم، والقدرة على متابعة مشكلاتهم ومعاناتهم بصدق ونزاهة ومسؤولية.
فأنا لا أبني مواقفي على الخصومات الشخصية أو الولاءات السياسية، بل على ما يصلني من شكاوى وقضايا، وما أقوم به من متابعة وتدقيق وتحقق. وسأظل أميّز بين من يعمل لخدمة الناس ومن يقصّر في أداء واجبه، من دون مجاملة على حساب الحق، ومن دون اتهام لا يستند إلى وقائع.
تمثيل الناس مسؤولية لا امتياز
إن السوريين الشيعة داخل سورية والمقيمين في لبنان أصحاب حقوق وكرامة وإرادة، وليسوا أتباعاً لأحد أو ملكاً لأي جهة. ومن يتصدّى لتمثيلهم يتحمّل مسؤولية مباشرة تجاههم، لا تمنحه حصانة من النقد والمساءلة، ولا تتيح له احتكار القرار أو التحدث باسمهم من دون الاستماع إليهم.
وأرى أن التمثيل المسؤول يبدأ بالوقوف على مسافة واحدة من الجميع، والاستماع إلى مطالبهم وشكاواهم، وفتح أبواب التواصل أمامهم، واعتماد نهج مؤسساتي واضح، واختيار فريق عمل يتصف بالنزاهة والكفاءة والخبرة، بعيداً عن المحاباة والولاءات الشخصية ومصالح الجهات الداعمة.
كما يقوم التمثيل الحقيقي على احترام القامات الاجتماعية والدينية والفكرية، والاستفادة من الخبرات، وإشراك أصحاب الكفاءة في معالجة شؤون الناس، وقبول النقد البنّاء والمحاسبة والتشاركية.
ومن لا يستطيع معالجة قضايا الناس بموضوعية وإنصاف، ولا يملك القدرة على بناء فريق عمل من الصادقين والمخلصين القادرين على التواصل مع الناس وخدمتهم، فعليه أن يتنحّى جانباً، وألّا يدّعي تمثيل أحد أو يتحدث باسم أحد من دون ثقة حقيقية يكتسبها من عمله ومواقفه.
إنني أدعو إلى ترسيخ ثقافة التمثيل القائم على المشاركة والثقة والإنجاز، بحيث تكون أبواب التواصل مفتوحة أمام الناس، وتكون مطالبهم وشكاواهم موضع متابعة جدية، وتُبنى فرق العمل على أساس الكفاءة والنزاهة والإخلاص، لا على أساس الولاءات الشخصية أو المحاباة.
كما أدعو إلى أن تكون هناك مسؤولية واضحة عن متابعة القضايا، وأن يعرف الناس ما تحقق منها وما لا يزال يحتاج إلى عمل، لأن احترام إرادتهم يبدأ بإشراكهم في شؤونهم، وينعكس في نتائج ملموسة تحمي حقوقهم وتصون كرامتهم.
لا أحد يملك حق احتكار تمثيل الناس، ولا أحد يُمنح تفويضاً مفتوحاً باسمهم. فالتمثيل الحقيقي يُكتسب بالثقة، ويُصان بالإنجاز، ويستمر بالمحاسبة والالتزام بمصالح الناس وحقوقهم.
ومن يتصدّى لتمثيل الناس، بلباس ديني أو اجتماعي أو سياسي، عليه أن يدرك أن التمثيل ليس لقباً يُمنح ولا نفوذاً يُفرض، بل مسؤولية وأمانة تُقاسان بمقدار ما يقدّمه للناس، وما يتحمّله من واجبات تجاههم.
لن أسمح باختطاف إرادة الشيعة في سورية مرة أخرى
لن أسمح، ومهما كلّفني ذلك من جهد أو ثمن، بأن تُختطف إرادة الطائفة الشيعية في سورية مرة أخرى، أو أن يُزجّ بأبنائها في اصطفافات سياسية لا تنسجم مع إرادة الغالبية العظمى من الشعب السوري وتطلعاتها إلى بناء سورية الجديدة.
إنني، ومعي كثير من القامات الاجتماعية والدينية والفكرية الفاعلة، نريد للشيعة في سورية أن يكونوا منسجمين ومتفاعلين ومتعاونين ومتكافلين مع إرادة الغالبية العظمى من الشعب السوري، وشركاء فاعلين في بناء وطنهم، وصون وحدته، وتعزيز أمنه واستقراره، على أساس المواطنة والحقوق المتساوية وسيادة القانون.
ولا يعني ذلك التنازل عن خصوصية الشيعة أو حقوقهم، بل يعني صون هذه الحقوق في إطار الشراكة الوطنية، بعيداً عن العزلة والوصاية واستغلال المخاوف والمتاجرة بالآلام والتضحيات.
وأرفض أن تتحول معاناة أهلنا إلى وسيلة لتكريس زعامة شخصية أو نفوذ فئوي، أو أن يُفرض عليهم تمثيل لا يعبّر عن تطلعاتهم، أو فريق عمل يفتقر إلى النزاهة والكفاءة، أو يقدّم المصالح الخاصة على حقوق الناس.
إن كرامة أهلنا وحقوقهم ومستقبلهم الوطني خطوط لا يجوز تجاوزها. وتمثيلهم أمانة تُصان بالنزاهة والكفاءة والمساءلة، لا بالشعارات والولاءات والمصالح الخاصة.
أنا لا أدعو إلى استبدال زعامة بأخرى، ولا إلى إقصاء شخصية لمصلحة شخصية أخرى، بل أدعو إلى إنهاء احتكار التمثيل، وإفساح المجال أمام الكفاءات الصادقة والمخلصة، وإعادة القرار إلى الناس أنفسهم، ليكونوا شركاء في تحديد أولوياتهم واختيار من يتولى متابعة قضاياهم.
من تجربة نبل والزهراء إلى المسؤولية الوطنية
لقد أثبتت تجربة نبل والزهراء خلال الحصار أن تنظيم الجهود، وتوحيد الطاقات، وحماية المجتمع، والحفاظ على الأمن الاجتماعي، أمور ممكنة حتى في أصعب الظروف. ومن هذه التجربة أستخلص أن القدرة على تحمّل المسؤولية لا ينبغي أن تتوقف عند حدود مرحلة معينة، بل يجب أن تتحول إلى عمل مؤسساتي مستمر يخدم الناس ويحفظ حقوقهم.
فمن يستطيع تنظيم الجهود والدفاع عن أهله، يستطيع أن يسهم في بناء مؤسسات اجتماعية فاعلة، ومواجهة التقصير والاستغلال، ودعم أصحاب الكفاءة والنزاهة. والمطلوب ليس صناعة زعامات جديدة أو استبدال شخص بآخر، بل إرساء ثقافة المسؤولية والمشاركة، وإفساح المجال أمام كل من يستطيع خدمة الناس بصدق وإخلاص.
إن ما تحتاج إليه مجتمعاتنا اليوم ليس المزيد من الألقاب والشعارات، بل العمل المنظم، والتعاون بين أصحاب الخبرة والكفاءة، وتحديد المسؤوليات، ومتابعة القضايا حتى الوصول إلى نتائج عملية. فخدمة الناس لا تُقاس بما يُقال عنهم أو باسمهم، بل بما يتحقق لهم من حقوق ومصالح وحلول لمشكلاتهم.
مواقفي في خدمة الحق والوحدة الوطنية
إن ممثلي السادة المراجع الدينية الإسلامية الشيعية الذين عملوا في سورية على مدى عقود وحتى اليوم، وكذلك الفعاليات الاجتماعية والروحية في محافظة حلب عموماً، وفي نبل والزهراء خصوصاً، يعرفون جيداً، وقد لمسوا عن قرب، ما قمت به وما أواصل القيام به من أعمال ومواقف في خدمة الحق والحقيقة، والدفاع عن الوحدة الوطنية والشراكة، والحرص على قيم التكافل الاجتماعي وإنسانية الإنسان.
وقد حرصت في مواقفي ومبادراتي على الابتعاد عن الاصطفافات والولاءات السياسية الضيقة، ورفض التطرف والتعصب، انطلاقاً من إيماني بأن كرامة الإنسان وحقوقه، وتماسك المجتمع، والشراكة بين جميع أبنائه، يجب أن تبقى فوق الحسابات الفئوية والشخصية.
كما أن ما أمتلكه من علاقات داخلية وخارجية على المستويات الإعلامية والفكرية والسياسية والاجتماعية يشكّل رصيداً أحرص على توظيفه عملياً في خدمة قضايا أهلنا ومجتمعنا وبلدنا ووطننا.
فقيمة هذه العلاقات لا تُقاس باتساعها أو بمكانة أصحابها فحسب، بل بما يمكن أن تحققه من نتائج ملموسة في إيصال صوت الناس إلى الجهات المعنية، ومتابعة قضاياهم وحقوقهم، وفتح قنوات التواصل والحوار، واستقطاب الدعم للمبادرات الاجتماعية والإنسانية، وبناء شراكات فاعلة تسهم في معالجة المشكلات وتخفيف المعاناة.
ومن هنا، أحرص على أن تكون هذه العلاقات وسيلة للعمل المسؤول، لا مجرد أسماء أو مظاهر، وأن تُدار بشفافية واستقلالية، بعيداً عن المصالح الضيقة والاصطفافات السياسية، بما يتيح تحويل الإمكانات المتاحة إلى خطوات عملية ونتائج يمكن تقييمها.
هدفي هو توظيف خبراتي وعلاقاتي لخدمة الناس وصون حقوقهم وتعزيز الوحدة الوطنية والشراكة، بكل قوة وشفافية وفاعلية، انطلاقاً من قناعتي بأن العلاقات والخبرات لا تكتسب قيمتها الحقيقية إلا عندما تنعكس إيجاباً على حياة الناس وحقوقهم وكرامتهم.
لم يكن هدفي البحث عن زعامة أو مكسب شخصي، بل خدمة قضايا الناس والدفاع عن حقوقهم وصون كرامتهم. وسأواصل التمسك بهذه المبادئ باستقلالية وموضوعية، واضعاً الحق والحقيقة والمصلحة الوطنية والإنسانية فوق كل اعتبار.
مسيرتي الفكرية والإعلامية شهادة على مواقفي
أما مقالاتي ومنشوراتي، وكتبي وإصداراتي، ومقابلاتي وأحاديثي الإعلامية في مختلف وسائل الإعلام، فستبقى جميعها مصدر فخر واعتزاز لي، ولكل من يعرفني أو يتابع مسيرتي الفكرية والإعلامية، لأنها كانت وما زالت تعبيراً عن مواقفي وقناعاتي، وجهداً متواصلاً في خدمة قضايا الناس، والدفاع عن الحق والحقيقة، والانحياز إلى الوطن وكرامة الإنسان وإنسانية الإنسان.
وأعتز بكل ما قدمته من نتاج فكري وإعلامي، وبكل كلمة عبّرت فيها عن قناعتي ومسؤوليتي، إيماناً مني بأن قيمة الكلمة لا تُقاس بمدى انتشارها أو بعدد من يسمعونها ويقرؤونها، بل بصدقها وموضوعيتها، وبما تحمله من وعي ومسؤولية، وبما تسهم به في الدفاع عن حقوق الناس، وتعزيز وحدتهم، وترسيخ قيم المواطنة والعدالة والكرامة الإنسانية.
لقد كانت الكتابة والعمل الإعلامي بالنسبة إليّ مسؤولية فكرية وأخلاقية ووطنية، لا وسيلة للبحث عن زعامة أو مكسب شخصي، ولا أداة لاسترضاء أحد أو خدمة مصالح ضيقة. وسأبقى متمسكاً بحقي في التعبير عن مواقفي باستقلالية وموضوعية وإنصاف، واضعاً خبرتي وقلمي وصوتي الإعلامي في خدمة الناس والوطن.
ستبقى بوصلتي الحق والحقيقة، وهدفي خدمة الوطن والإنسان، وقناعتي الراسخة أن إنسانية الإنسان هي القيمة التي تعلو على كل انتماء واصطفاف ومصلحة ضيقة.
كلمة الحق لا تخضع للولاءات
لن أقبل أن يمنعني أحد من قول كلمة الحق، أو أن يفرض عليّ الصمت أمام التقصير أو الإهمال. وفي الوقت نفسه، ألتزم بالتدقيق والتحقق والإنصاف، فلا أستهدف الأشخاص، ولا أبحث عن خصومات، ولا أطلق الأحكام من دون وقائع.
إن معياري في تقييم أي شخصية هو عملها ومواقفها ونتائج أدائها، ومدى احترامها لحقوق الناس وتضحياتهم. ومن يريد تمثيلهم عليه أن يقبل بمساءلتهم، وأن يتعامل معهم بوصفهم شركاء لا أتباعاً، وأن يدرك أن الثقة مسؤولية متجددة وليست تفويضاً مفتوحاً.
أنا لا أطلب زعامة لنفسي، ولا أسعى إلى إقصاء أحد. إنما أرفض مصادرة إرادة الناس، وأطالب بتمثيل نزيه وكفؤ ومسؤول، يحفظ حقوق السوريين الشيعة، ويعزّز شراكتهم مع الغالبية العظمى من الشعب السوري في بناء وطن يتّسع لجميع أبنائه.
إن موقفي ليس خصومة مع أشخاص، ولا صراعاً على موقع أو نفوذ، بل دفاع عن مبدأ أراه أساسياً لاستقرار المجتمع ومستقبله: أن يكون الناس شركاء في تقرير شؤونهم، وأن تُصان حقوقهم، وأن يكون من يتولى تمثيلهم مسؤولاً أمامهم، وقادراً على خدمتهم بصدق وكفاءة وإنصاف.
لن أسمح باختطاف إرادة أهلنا مرة أخرى، ولن أتخلى عن حقي في قول كلمة الحق. وسأبقى متمسكاً باستقلالية موقفي، واضعاً خبرتي وعلاقاتي وقلمي في خدمة الناس والوطن، لأن حقوق الناس ليست موضع مساومة، ولأن خدمة المجتمع أمانة لا تُؤدّى بالشعارات، بل بالصدق والنزاهة والكفاءة والعدل والمساءلة والعمل الذي يترك أثراً ملموساً في حياة الناس.
سعيد فارس السعيد
كاتب باحث استراتيجي مستقل، متخصص بقضايا الأمن الاجتماعي والوطني
صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد وليس من تحت الركام
14 تشرين الأول / أكتوبر 2026



