كتابنا

العلامة المفكر يضع قوة الله وقوة الإيمان بوجه العالم أجمع

خطبة وحديث الجمعة

للعلامة الشيخ علي الخطيب نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى في لبنان

 

يوم الجمعة

٢٣ / ١٠ / ٢٠٢٦

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين،

 

والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين، سيدنا ونبينا أبي القاسم محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين والشهداء والصالحين.

ورحمة الله وبركاته.

 

___بمناسبة شهادة السيدة الزهراء، سلام الله عليها، أتوجه بالتعزية إلى إمامنا وسيدنا صاحب العصر والزمان، عجّل الله تعالى فرجه الشريف، وإلى جميع المؤمنين والمسلمين، وأقول: عظّم الله أجورنا وأجوركم، وثبّتنا الله سبحانه وتعالى على ولايتهم، ورزقنا شفاعتهم.

 

قال تعالى:

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾.

 

في خضم الأحداث التي نعيشها ويعيشها العالم الإسلامي، وما نشهده من إرهاب وعدوان مستمر على بلدنا وعلى الأمة، يشعر الناس بالقلق إزاء تجدد العدوان الواسع، واستمرار إنكار الحقوق، ولا يزال قسم كبير من أهلنا خارج ديارهم، فيما لا تزال أرضنا محتلة.

وبالتالي، يتوقع الناس أو يبحثون، عبر القنوات التلفزيونية ووسائل التواصل الاجتماعي، عمّا يقوله المحللون والخبراء، أو مَن يُسمَّون خبراء.

لكن الأهم من ذلك، مع أن هذا الأمر طبيعي، أننا لسنا ضد التحليلات والتقديرات أو تنبيه الناس إلى ما يمكن أن يحدث، إلا أن المفترض بالمؤمنين أن تكون لهم نظرة مختلفة.

 

فالمحللون السياسيون ينطلقون من الوقائع والأحداث، ثم يخلصون إلى نتائج قد تكون صحيحة وواقعية، وقد لا تكون كذلك. وفي كثير من الأحيان، لا تكون تحليلاتهم موضوعية، بل تُستخدم لتحقيق أهداف سياسية؛ فالبعض يستخدمها للترهيب.

تحدثنا في الخطبة الماضية عن الحروب النفسية والإعلامية التي يخوضها العدو إلى جانب الحرب العسكرية والقتل والتدمير.

أما نحن المؤمنين، فقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم عن وقائع كثيرة حدثت في بداية الإسلام مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقد استخدم اليهود هذا الأسلوب لتفتيت صفوف المؤمنين وتخويفهم.

ولأهمية هذا الموضوع وأثره في الحرب، ذكره الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم في مواضع متعددة وسور مختلفة، ومن جملتها الآية التي تلوناها:

﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ…﴾.

والمقصود بأهل الكتاب هنا، بحسب موضوع الآية، يهود بني النضير، الذين كانت لهم معاهدة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، تقوم على ألّا يكونوا معه ولا يكونوا ضده، لكنهم غدروا بالعهد، وغدروا برسول الله وبالمسلمين، رغم ما كانوا يمتلكونه من قوة.

قال تعالى:

﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾.

متى ظننتم أنهم سيخرجون؟

إنها الحسابات المادية؛ فقد كانت لديهم قوى مالية واقتصادية وعسكرية، وحصون يلجؤون إليها وينطلقون منها للعدوان على المسلمين.

أما المسلمون، ففي كثير من الأحيان، لم يكونوا يمتلكون القوة الاقتصادية والمادية نفسها، ولم تكن الدولة الإسلامية، في بدايات نشأتها في المدينة المنورة، تملك موارد اقتصادية كبرى. كما أن أغلب الذين كانوا إلى جانب المسلمين كانوا يتعاملون مع اليهود ويأخذون منهم القروض المالية.

كانت القوة المالية والاقتصادية بيد اليهود، وهذه هي الحسابات المادية التي يعتمد عليها محللون اليوم. فمعظم التحليلات تقوم على حسابات اقتصادية ومادية، وتنطلق من أن الولايات المتحدة الأمريكية والغرب يمتلكان القوة والهيمنة في العالم، لتخلص إلى أن المقارنة بين العالم الإسلامي والعالم الغربي غير ممكنة.

وهذه هي الحسابات التي اعتمدتها الدول والشعوب الإسلامية، ولا يزال بعضها يعتمدها حتى اليوم.

إن ما جرى في غزة، من مشاهد يندى لها الجبين، لم يحرّك في كثيرين شعرة؛ لأن الحسابات المادية تقول إنه لا يوجد تكافؤ في القوى، وإن الهيمنة للغرب. وبالتالي، تحسب كل دولة حساباتها الخاصة، وتخاف على نفسها، ويخاف النظام على بقائه.

ولا يقتصر الأمر على مواقف الحكومات، بل يجري إقناع الشعوب في العالم العربي والإسلامي بأنها ضعيفة وغير قادرة على مواجهة هذه الغطرسة وهذه القوة الأمريكية، وأنه لا بد من الرضوخ والاستسلام.

وهنا درس للعالم الإسلامي.

لقد طبعنا أنفسنا على هذه الحسابات، وأقنعنا أنفسنا بأننا مهزومون؛ أي إن المسلمين أقنعوا أنفسهم بالهزيمة، فاعتقدوا أن عليهم الاستسلام للإرادة الأمريكية والغربية.

لكن الله سبحانه وتعالى يبيّن لنا أن الحسابات المادية نفسها كانت حاضرة في المواجهة مع بني النضير، ولا تزال تتكرر مع اليهود في مراحل مختلفة.

قال تعالى:

﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾.

لقد كانوا يتحصنون بحصون ظنوا أنها لا تُقهر، كما أقاموا في فلسطين الجدران العازلة وغيرها من وسائل التحصين.

قال تعالى:

﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾.

لقد اعتمد يهود بني النضير، في نكثهم العهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، على القوة التي يمتلكونها؛ من المال والاقتصاد والسلاح والحصون التي تحميهم من أي هجوم خارجي. ولذلك تجرؤوا على خيانة العهد.

لكن النتيجة كانت، كما يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾.

لم تكن حسابات الله حاضرة في حساباتهم.

ولو أن العالم العربي والإسلامي جعل حساب الله والإيمان في مقدمة حساباته، لكان عليه أن يستحضر الدروس التي جرت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن يدرك أن النصر لا يُقاس بالقوة المادية وحدها.

قال تعالى:

﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾.

لم يتوقعوا أن هؤلاء المؤمنين، رغم ضعف إمكاناتهم الاقتصادية والعسكرية، سيواجهونهم ويصلون إلى حصونهم، وأن تنتهي المواجهة باستسلامهم وخروجهم منها، ويكون النصر للمؤمنين والإسلام.

إن حساباتهم المادية لم تأخذ في الاعتبار ما يمكن أن يتحقق عندما يتوكل المؤمنون على الله ويثبتون على موقفهم.

واليوم، نكرر الحسابات نفسها؛ فنعتبر أن القوة المادية هي العامل الحاسم، وأننا إذا لم نمتلك السلاح الذي يملكه الغرب والقوة الاقتصادية التي لديه، فلا نملك الكفاءة والقدرة على مواجهته عندما يعتدي علينا.

وعلى هذا الأساس نتصرف، حتى إن الدول العربية والإسلامية تدخل في صراعات وحروب طاحنة فيما بينها، يسقط فيها آلاف القتلى، وتُستخدم خلالها مختلف الأسلحة التي يزوّدنا بها عدونا وعدوهم.

وهكذا، تنطلق حسابات كل دولة وكل نظام من مصالحه الخاصة، بمعزل عن مصالح الأمة.

لقد مزقنا دولنا، وأضعفنا الروابط التي كانت تجمعنا، حتى على المستوى الذي كانت تمثله الجامعة العربية.

كنا نقول إننا قبلنا بالكيانات الوطنية، لكننا لن نقبل بقطع الروابط فيما بينها، ولا بالتخلي عن القضايا المصيرية للعالم العربي والإسلامي باعتبارها قضايا مشتركة، تستوجب التعاون لمواجهة المخاطر.

لكن هذه الحسابات أوصلتنا إلى النتيجة التي أرادها أعداؤنا: التمزق والانقسام.

فأصبح هناك من يقول إن هذا لبناني، ولا يعنيه إلا لبنان، ويدعو إلى أن يكون لبنان محايدًا، وكأن الحياد يعني الانفصال عن قضايا المنطقة ومصيرها.

وهذا المنطق موجود في لبنان وسوريا والعراق وتركيا ومصر، وفي مختلف بلداننا العربية والإسلامية.

«ما شأننا نحن؟ لا علاقة لنا بما يجري عند الآخرين؛ المهم أن نعالج مشكلاتنا وندفع الأخطار عن بلدنا».

لكن هل توقف الأمر عند هذا الحد؟

كلا، لم يتوقف.

ففي كل بلد من بلداننا اليوم مشكلة داخلية، وهناك نزوع وعمل حثيث لتقسيم المقسّم، وتفتيت المفتّت، وتحقيق أهداف العدو.

وهذا المسار هو الذي أوصلنا إلى الانقسام بين كيانات متعددة، وإلى محاولات تقسيم هذه الكيانات نفسها من الداخل.

وهناك اتجاه قوي يستغله البعض داخل كل بلد، تارة تحت عنوان قومي، وتارة أخرى تحت عنوان مذهبي أو طائفي أو ديني، من أجل تقسيم المقسّم.

وهذا ما يحذرنا منه الله سبحانه وتعالى بقوله:

﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.

أما نحن في لبنان، فقد اتبعنا هذه الحسابات، وتركنا للغرب تحديد بوصلتنا، فيما يضعها لنا عدو طامع بأرضنا وثرواتنا، ولا يقتصر الأمر على الطمع، بل يتصل، في نظره، بحسابات التاريخ وصراعاته الماضية.

فهو يستحضر مراحل تاريخية وصل فيها المسلمون إلى أوروبا وبلاد البلقان وحدود سويسرا، ونحن الذين نسينا، بينما لم ينسَ الآخرون صفحات التاريخ التي يستحضرونها في حساباتهم.

لقد انشغلنا بأمور أخرى، فيما يواصلون العمل وفق أهدافهم ومصالحهم الاستراتيجية.

ومن وجهة نظرهم، لا ينبغي أن نكون متساوين معهم، ولا أن تقوم بيننا وبينهم شراكة حقيقية، بل يريدون أن تبقى السيطرة والقوة بأيديهم، وأن يخضع العالم العربي والإسلامي لإرادتهم، وأن يستولوا على ثرواتنا ويهيمنوا على منطقتنا الجغرافية والاستراتيجية المهمة، التي تضم مضائق حيوية للتجارة العالمية، فيما تستمر مصالحهم ورفاهيتهم على حسابنا.

والآن، نشهد أزمة النفط التي تفاقمت بسبب الحرب العدوانية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وإغلاق مضيق هرمز، وما ترتب على ذلك من أزمات اقتصادية عالمية.

فلننظر إلى ما يحدث في فرنسا وبعض الدول الأوروبية؛ فهذه الدول تعتمد على مواردنا، فيما لا تمتلك جميعها موارد كافية من الغاز والنفط، وتعيش في أمن ورفاه نسبيين، بينما نعيش نحن، أصحاب الثروات، في قلق دائم، وحروب داخلية، وفوضى، وانعدام للاستقرار.

هذه هي حساباتنا الخاطئة، لأننا نسينا الله سبحانه وتعالى.

إن الآية التي تلوناها تذكّرنا بهذا الدرس، وينبغي أن تبقى حاضرة أمامنا، لنأخذ منها العبر للحاضر والمستقبل.

أما ما يحدث اليوم من تهديدات وحروب ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فتساهم بعض وسائل إعلامنا العربية والإسلامية في تضخيمه، والتهويل من مخاطره، وتخويف المسلمين والأمة، بما يخدم مساعي إخضاعنا.

ومن أخطر الأدوات المستخدمة في هذه الحرب وسائل الإعلام، التي يُموَّل بعضها، للأسف، بأموال عربية. والسؤال هو: لمصلحة مَن تُستخدم هذه الأموال؟ أهي لمصلحة العرب والمسلمين أم لمصلحة عدوهم؟

إنها تُستخدم، في بعض الحالات، لمصلحة عدو العرب وعدو المسلمين.

والله سبحانه وتعالى يلفت نظرنا إلى أمر آخر، يتجاوز الدبابة والطائرة والمدفع والقنابل، سواء كانت بوزن أحد عشر رطلًا أو بأطنان، ويتجاوز كذلك الأسلحة النووية.

هناك قوة أخرى ينبغي ألا نغفل عنها، وهناك تدبير إلهي لا تحيط به حسابات البشر.

فماذا يعني إيماننا؟ وما معنى أن نؤمن بالله سبحانه وتعالى إذا لم يكن للإيمان أثر في حياتنا ومواقفنا وقراراتنا؟

إن الحق يقتضي أن تكون قضيتنا عادلة، وأن نثبت عليها. وكما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، سلام الله عليه، في معركة صفين:

«شُدَّ في الأرض قدمك، وأعرِ الله جمجمتك».

وإذا درسنا الوقائع التي حدثت في بداية الإسلام مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وجدنا أن النصر لم يكن دائمًا نتيجة التفوق المادي أو كثرة العدد.

ويوم حنين، قال تعالى:

﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾.

وماذا حدث في أُحد؟

إن الدروس كثيرة، والمطلوب أن نثق بالله سبحانه وتعالى، وأن نعود إلى حقيقة الإيمان، وأن نضعه نصب أعيننا.

وأنا لا أقول إن القوة المادية لا أهمية لها، فقد قال الله سبحانه وتعالى:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾.

لكن الأساس هو الثقة بالله وقوة الإيمان، إلى جانب الإعداد والاستعداد، وهي المعاني التي يستند إليها شعبنا وأهلنا في لبنان في مواجهة العدو الإسرائيلي.

ورغم كل ما أصابهم، أقول لهم ما قاله الله سبحانه وتعالى:

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.

الإيمان بالله سبحانه وتعالى، الذي يملك القلوب ويدبّر الأحداث في العالم، هو مصدر الثبات والرجاء.

وقد تكون بعض ما نمر به ابتلاءً لنا، ونتيجةً لتخلينا عن إيماننا الحقيقي، عندما أصبحنا نتبع الآخرين في عقائدهم ومناهجهم، حتى غدا الدين لدى بعضهم طقسًا يؤدَّى من دون أن ينعكس على الحياة والمواقف.

وبعض الغربيين يتحدثون عن دفن الإله أو تجاوز الدين، اعتمادًا على القوة المادية والعسكرية التي يمتلكونها.

وهذا منطقهم منذ زمن، لكنه ليس عنصر القوة الوحيد الذي أراد الله منا أن نتمسك به، ولا يجوز أن نجعل المادة وحدها معيارًا للحكم على مصير الشعوب والأمم.

وليكن ما حدث مع بني النضير وغيرهم ممن واجهوا الإسلام ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم درسًا وعبرة لنا اليوم.

إننا نعتمد على الله بالصدق والإخلاص والثبات على الحق، ونحن أصحاب قضية عادلة، ولا يجوز، وفق إيماننا، أن نستسلم لإرادة العدو؛ فالقوة المادية ليست ضمانةً للنصر، كما أن ضعف الإمكانات لا يعني حتمية الهزيمة.

قال تعالى:

﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾.

لذلك، ثقوا بالله سبحانه وتعالى.

إخوتنا العرب والمسلمون، هناك تركيز شديد على إقناعكم بأنكم مهزومون، وأن عليكم أن تتصرفوا على هذا الأساس، وأن تعملوا وفق هذه القناعة، وصولًا إلى الاستسلام.

لكن هل الاستسلام ينجيكم؟

إذا استسلمنا للعدو، فماذا يريد منا؟

إنه يريد أن يفعل بنا ما يفعله في فلسطين، وما فعله في جنوب لبنان، من دمار وخراب، وتجريف للقرى، وقتل وسرقة، وإحراق لأشجار الزيتون، ونبش للقبور، وتغيير للمعالم الجغرافية، وتدمير للآثار.

إنه لا يريدنا، في نظرنا، حتى تحت سلطته، بل يسعى إلى إقامة دولته التي يقول إنها موعودة، فيما نؤمن نحن بأن الأرض والحقوق لا تسقطان بالعدوان ولا بالتسلط.

إذن، علينا العودة إلى الله سبحانه وتعالى.

وأنتم أيها الإخوة، أيها المؤمنون، يا أهلنا، تمثلون المثل الأعلى في مواجهة هذا الطغيان.

هذه هي الرسالة التي أوجهها إليكم: أنتم لم تُهزموا، وما زلتم صامدين في وجه العدو.

ولو كان العدو قادرًا على مواصلة المعركة بلا خوف أو حسابات، لما اضطر إلى التوقف عند الحدود التي وصل إليها. إنه يشعر بالخوف، ولو لم يكن كذلك لما خاطر بسمعته أمام العالم.

لقد سقط أمام العالم، لأنه لا يكترث بالقانون الدولي ولا بالقيم الإنسانية.

وهذا السقوط يكشف مأزقه، ويبيّن أن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع أن تفرض الأمن والاستقرار، ولا أن تمنح المعتدي شرعيةً أو نصرًا دائمًا.

إن النهاية الحتمية، بإذن الله سبحانه وتعالى، ستكون للحق، مهما طال الطريق.

نحن اليوم في وضع صعب، وهذا صحيح، لكن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾.

إنها فتنة بمعنى الاختبار والابتلاء.

وقد اجتزتم، ولله الحمد، هذا الاختبار بالصبر والثبات، ونرجو أن يكون النصر من عند الله، وأن يأتيكم الفرج؛ فهو وعد الله سبحانه وتعالى الذي نرجوه ونثق برحمته.

إن الاعتماد على الله هو الأساس، لأننا أمام مرحلة جديدة وطور جديد من العمل والثبات.

لقد بلغ الاعتماد على المادة أقصى مداه، وظهرت حدود القوة المادية وعجزها عن تحقيق كل ما يطمح إليه أصحابها.

والآن، يأتي دور الإيمان بإذن الله، وأنتم في طليعة هذا المسار وعلى هذا الطريق.

أما في الموضوع اللبناني، فللأسف، لا تزال السلطة متمسكة بالمسار الذي اختارته، أي المفاوضات المباشرة مع العدو، وقد وصلت هذه المفاوضات إلى جولتها الثامنة عشرة.

فهل يُعقل أن تستمر سلطة تحترم نفسها في ثماني عشرة جولة من المفاوضات المباشرة، من دون أن تحقق شيئًا ملموسًا، فيما كان العدو، في كل مرة، يهينها ويسخر منها؟

إن المشكلة تكمن في استسلام هذه السلطة للعدو الصهيوأمريكي، وفي حساباتها الواهمة والخاطئة التي تفترض أن المقاومة ستنتهي، وأننا سنستسلم، وأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ستنهار.

ولا يزال هذا الوهم حاضرًا في حساباتها، ولذلك تستمر في محاولاتها الفاشلة.

فهي لم تنجح في المفاوضات، ولم تحقق إنجازًا يُذكر على الصعيد الداخلي، حيث تتفاقم الأزمات الكبيرة.

هل حللتم أزمة واحدة من هذه الأزمات؟ إن الأزمات تتجدد وتكبر وتتفاقم، بدءًا من الغلاء المعيشي، وصولًا إلى مختلف الظروف الصعبة التي يعيشها الناس.

ماذا فعلتم؟ وماذا أنجزتم؟

لم تحلوا شيئًا يُذكر، وهذا فشل على مختلف المستويات، سواء في المفاوضات أو في تحقيق ما وعدت به السلطة من انسحاب العدو الإسرائيلي وخروجه من جنوب لبنان.

لم تنجحوا في المفاوضات المباشرة، ولم تفلحوا في معالجة الأزمات الداخلية.

والأخطر أن السلطة تسير في طريق قد يؤدي إلى إشعال فتنة داخلية. فقبل كل جولة جديدة من المفاوضات المباشرة، تقدم تنازلات أو خطوات جديدة لإثبات الطاعة للعدو، وتقدم ما يرضي الولايات المتحدة الأمريكية، في محاولة لإثبات امتثالها أكثر فأكثر.

ومن ذلك ما أثير حول حجز شاحنة أسلحة للمقاومة، وما رافق القضية من تداعيات وتأويلات، ومن روايات وأكاذيب أُطلقت بشأنها.

وللأسف، تسير السلطة من خطأ إلى آخر، بدءًا من تجريم المقاومة ورفع الغطاء الرسمي عنها.

إلى أين تأخذون البلد؟

إنكم تدفعونه نحو الفتنة، فيما تتمثل واجبات السلطة ومهمتها في جمع اللبنانيين، لا في زيادة الانقسامات الداخلية وصب الزيت على النار لتأجيجها.

إن مسؤولية من يتولى السلطة أن يواجه مثيري الفتنة، وأن يعمل على جمع الشعب اللبناني وتوحيده في مواجهة الأخطار التي تهدد الجميع، ولا تستهدف الشيعة وحدهم، بل قد تطال اللبنانيين جميعًا.

ماذا تفعلون؟ ولمصلحة مَن؟

إذا تعرضت أي طائفة في لبنان للخطر، فإن الطوائف الأخرى التي تستسهل التآمر عليها تفتح الباب أمام التعامل معها بالطريقة نفسها عندما تتعرض هي للخطر.

فهل يدرك هؤلاء خطورة ما يفعلون؟

لذلك، يجب على السلطة ألّا تستمر في هذا النهج أو تمضي في هذا المسار.

أما المقاومة وأهلها، فهم ثابتون، ولن ينجروا إلى فتنة داخلية.

إننا ندعو إلى أن تعمل السلطة على تمتين الوحدة الداخلية وتحصينها، وعلى رئيس الجمهورية أن يدعو إلى حوار داخلي يتفق فيه اللبنانيون على المسائل الخلافية، ويضعون استراتيجية سياسية وعسكرية ومعيشية تحفظ لبنان وتصون وحدته، وتمنع انزلاقه إلى فتنة داخلية.

وليكن واضحًا للجميع أننا صمام الأمان في وجه كل من يحاول إشعال الفتنة الداخلية.

وأقول لمن يضغطون عليكم، ويوهمونكم بأنهم ينصحونكم باستغلال هذه الفرصة، إنكم لا ينبغي أن تعتمدوا على الشيطان، ولا أن تنخدعوا بمن يصوّر لكم أن الشيعة في لبنان والمقاومة أصبحوا ضعفاء، وأن اللحظة الراهنة فرصة للانقضاض عليهم وإنهاء وجودهم ودورهم.

إن الولايات المتحدة الأمريكية نفسها تواجه مأزقًا.

فمنذ ثمانية أشهر، ومع بدء عدوانها على إيران، هل استطاعت فتح مضيق هرمز؟ وهل استطاعت خفض سعر برميل النفط في العالم؟

لم تستطع تحقيق ما أرادته، ولم تتمكن من تغيير الواقع في إيران، ولم تحقق الأهداف التي أعلنتها.

لقد أخفقت الولايات المتحدة الأمريكية، رغم ما تمتلكه من قوة ونفوذ، في تحقيق أهدافها المعلنة خلال هذه المدة.

وفي المقابل، بقيت الجمهورية الإسلامية الإيرانية ثابتة، رغم الحصار والخسائر والدمار واستشهاد قيادات فيها. ولم تستطع الولايات المتحدة كسر إرادتها أو إسكات موقفها.

فلا الحصار الاقتصادي والمالي، ولا الحرب العسكرية، ولا تعدد الوسطاء الذين استعانت بهم لإخراجها من المأزق الذي وقعت فيه، أدت إلى تحقيق الأهداف المعلنة أو هزيمة الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

وآخر محاولاتهم كان التوجه إلى روسيا، بعد كل التهديدات والحملات الإعلامية، بما فيها الحملات التي شاركت فيها وسائل إعلام عربية وناطقة بالعربية.

أما تجاربهم مع سلطنة عُمان وباكستان وقطر، فلم تؤدِّ، بحسب ما نراه، إلى تغيير ثوابت الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

وهي ثوابت ترتبط، في جانب منها، بالثقة بالله والتمسك بالموقف، وهو ما تحدثنا عنه في هذه الخطبة.

ونرجو أن تتكرر دروس التاريخ مع هؤلاء الصهاينة الذين يحتلون فلسطين وقسمًا عزيزًا من جنوب لبنان، وأن نتعلم من قصص بني النضير وخيبر وغيرها من الوقائع التاريخية، مع أخذ العبر منها بما يناسب واقعنا ومسؤولياتنا اليوم.

ثبّتكم الله على طريق الحق، وعلى التمسك بالشرف والكرامة والثبات.

السلام عليكم أيها الصامدون.

السلام عليكم أيها المؤمنون، أيها الصابرون، أيها الأبطال، أيها الشجعان.

أنتم اليوم تحملون راية الحق والشرف العربي والإسلامي في وجه العدوان، في عالم تتراجع فيه القيم ويُستهان فيه بالقانون والحقوق.

أنتم تقفون في وجه العدو، وتتمسكون بحقوقكم وكرامتكم، فيما يشعر كثيرون بمظلوميتكم، ويقدّرون تضحياتكم وشهداءكم وصبركم.

أنتم الأساس في هذا الموقف، ولستم وحدكم؛ فهناك كثيرون يقفون إلى جانبكم، ويشعرون بحجم الظلم الذي تعرضتم له، ويقدّرون ما قدمتموه من تضحيات.

أعزّكم الله سبحانه وتعالى، وهو القائل:

﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى