كابوس الحدود الجنوبية: كيف ساهمت حسابات الرياض في بناء قوة الحوثي؟

أشرف التهامي
لم تكن حركة “أنصار الله” الحوثية نيزكاً سقط فجأة من السماء الإقليمية، بل كانت نتاجاً حتمياً لسلسلة من الأخطاء الاستراتيجية والحسابات الخاطئة التي تراكمت في أروقة صناعة القرار بالرياض على مدى عقود.
لقد تعاملت المملكة العربية السعودية مع جارها الجنوبي كحديقة خلفية أو مجرد “منطقة عازلة”، وفرضت عليه هندسة مذهبية وسياسية هشة عبر ضخ المنهج السلفي في معاقل الزيدية، مما أثار حفيظة المكونات المحلية وخلق بيئة خصبة للتطرف المضاد.
ثم جاء التدخل العسكري المباشر في مارس 2015 ليتوج هذه الخسائر الاستراتيجية؛ حيث تحولت “عاصفة الحزم” -التي أريد لها أن تكون استعراضاً خاطفاً للقوة العسكرية الحديثة- إلى مستنقع استنزاف طويل الأمد.
وساهم ذلك في تحويل تمرد محلي محاصر إلى قوة إقليمية غير متماثلة باتت تهدد عمق الاقتصاد السعودي واستقرار الملاحة الدولية.
كان من المفترض أن توفر ثروة المملكة وترسانتها العسكرية المتطورة حمايةً كافية عبر حدودها الجنوبية ، غير أن تجدد الهجمات كشف عن حدود هذه الثقة؛ ففي أكتوبر 2026، أسفر هجوم استهدف مطار الملك خالد الدولي بالرياض عن سقوط عشرات القتلى والجرحى وتأثر حركة الطيران، بالتوازي مع هجوم آخر طال مبنى إدارياً لشركة “أرامكو” في الظهران ونشوب حريق فيه.
ومع أن حجم الأضرار يظل محل شد وجذب إعلامي، إلا أن المزاوجة بين تهديد البنية التحتية وتعطيل حركة الملاحة في البحر الأحمر يبيّن كيف يمكن لخصم يمتلك موارد أقل أن يكبّد دولةً أكثر ثراءً خسائر فادحة.
ساهمت عقود من التنافس الديني، والتدخل السياسي، والتدخل العسكري الفاشل في تحويل حركة يمنية محلية إلى تهديد غير متماثل، قادر على ضرب البنية التحتية السعودية وتعطيل التجارة الإقليمية.
كان من المفترض أن توفر ثروة المملكة العربية السعودية وترسانتها العسكرية المتطورة حمايةً للمملكة من التهديدات القادمة عبر حدودها الجنوبية.
غير أن تجدد هجمات الحوثيين كشف عن حدود هذه الثقة؛ ففي أكتوبر 2026، أسفر هجوم على مطار الملك خالد الدولي في الرياض -وفقاً للتقارير- عن مقتل ما لا يقل عن 13 شخصاً وإصابة أكثر من 300 آخرين، بينما تسبب هجوم آخر استهدف مبنى إدارياً تابعاً لشركة “أرامكو” في الظهران في نشوب حريق محدود.
ومع أنه لم يتم التحقق بشكل مستقل من جميع ادعاءات الحوثيين بشأن استهداف مواقع سعودية أخرى، إلا أن الجمع بين المخاطر التي تهدد البنية التحتية والتهديدات الموجهة لحركة الملاحة في البحر الأحمر يبيّن كيف يمكن لخصم يمتلك موارد أقل أن يكبّد دولةً أكثر ثراءً بكثير خسائر فادحة.
لم تظهر حركة الحوثيين، المعروفة رسمياً باسم “أنصار الله”، بين عشية وضحاها، ولا يمكن تفسير صعودها بالكامل من خلال دور إيران؛ فجذورها تكمن في السياسة الداخلية لليمن، والمنافسة الدينية، والصراعات الإقليمية.
لم تكن المملكة العربية السعودية هي من أنشأ هذه الحركة، لكن سياساتها ساهمت في تشكيل البيئة التي نمت فيها ، وقد وفّر التدخل العسكري عام 2015 للحركة مظالم جديدة استغلتها لصالحها، دون أن يؤدي ذلك إلى القضاء على قدرتها على القتال.
على مدى عقود، تعاملت الرياض مع اليمن باعتباره منطقة عازلة استراتيجية ، وقد شكّل النشاط الدعوي الديني إحدى أدوات سياستها؛ إذ توسعت المؤسسات السلفية -المدعومة من السعودية- في مناطق كانت المذهب الزيدي، وهو فرع متميز من الإسلام الشيعي، متجذراً فيها.
لم تجعل هذه المنافسةُ الصراعَ المسلح أمراً حتمياً، لكنها فاقمت المخاوف المتعلقة بالهوية والسلطة السياسية.
«دار الحديث» في دماج.
شكّل تأسيس «دار الحديث» في دماج، حوالي عام 1980، مرحلةً مهمة في انتشار السلفية في صعدة ، وقد جذب هذا المركز، المرتبط بأنشطة دعوية ممولة من المملكة العربية السعودية، طلاباً من اليمن وخارجه.
وبالنسبة للعديد من المجتمعات الزيدية، مثّلت المؤسسات التي تُدرِّس نهجاً دينياً منافساً تهديداً لمكانتها الراسخة ، ولم تكن السياسة السعودية هي الدافع الوحيد، لكنها ساهمت في تحويل التنافس الديني إلى قضية سياسية أوسع نطاقاً.
حركة “الشباب المؤمن.
في هذه البيئة، ظهرت حركة “الشباب المؤمن” ، تأسست الحركة عام 1992 على يد شخصيات دينية زيدية، وكانت تهدف في بداياتها إلى تعزيز التعليم الديني وإحياء الثقافة.
ومع انضمام حسين بدر الدين الحوثي إليها عام 1999، اتخذت الحركة مساراً سياسياً ، ولم تكن جاذبية الحركة نابعة فقط من معارضتها للنفوذ السعودي، بل أيضاً من مظالم محلية، وحالة التخلف التنموي، والنزاعات حول سلطة الدولة، والسخط الشعبي تجاه الرئيس علي عبد الله صالح.
في البداية، لم يؤيد الكثير من الزيديين الحوثيين؛ إذ اعتمد توسع الحركة على خيارات وتحالفات سياسية، وليس على الهوية الدينية وحدها.
تحول الصراع إلى مواجهة عسكرية في عام 2004، حين تحركت الحكومة اليمنية ضد حسين الحوثي وأتباعه ، تلا ذلك ست جولات من القتال في محافظة صعدة استمرت حتى عام 2010. وقد فشلت هذه الحملات في القضاء على التمرد، بل زادت من حدة العداء.
لم تنتهِ الحركة بمقتل حسين الحوثي، إذ تولى شقيقه عبد الملك قيادتها لاحقاً ، تمكنت الحركة من الصمود، وصورت نفسها كجهة تدافع عن المجتمعات التي أهملتها الحكومة المركزية.
لم تكن السياسة السعودية هي التي أوجدت حركة الحوثيين، لكنها ساهمت في تفاقم الظروف التي نمت فيها ، فقد أدى التنافس الديني إلى تعزيز المخاوف الطائفية وإضعاف الثقة في حياد الدولة.
ورغم أن الرياض لم تكن مسؤولة عن كل قرار اتخذه الحوثيون، إلا أنها تتحمل المسؤولية عن التبعات الاستراتيجية لنهجها طويل الأمد تجاه اليمن.
المنعطف الإقليمي الحاسم في مارس 2015.
جاء المنعطف الإقليمي الحاسم في مارس 2015؛ فبعد سيطرة الحوثيين على صنعاء في سبتمبر 2014 وفقدان حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي سيطرتها على العاصمة، أطلقت المملكة العربية السعودية عملية “عاصفة الحزم” بقيادة وزير الدفاع آنذاك محمد بن سلمان.
وأعلنت الرياض أن هدفها هو استعادة الحكومة المعترف بها دولياً ، اعتمدت الحملة بشكل مكثف على القوة الجوية ومعدات زودتها بها دول غربية، لكن التفوق التكتيكي لم يترجم إلى نجاح سياسي.
فقد تعامل التدخل مع تمرد محلي معقد وكأنه هدف عسكري تقليدي يمكن إخضاعه عبر القصف الجوي؛ لكن النتيجة كانت تحول الصراع إلى حرب طويلة الأمد.
ألحقت الحملة الجوية التي قادها التحالف بقيادة السعودية أضراراً بالبنية التحتية المدنية، في حين أدت القيود المفروضة على الواردات، والانهيار الاقتصادي، واستمرار القتال، إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن.
فيرى المراقبون للصراع الحوثي السعودي أن الحوثيون ارتكبوا أيضاً انتهاكات ومارسوا القمع ضد السكان الخاضعين لسيطرتهم ، وتتوزع مسؤولية المعاناة في اليمن على مختلف أطراف النزاع ، ومع ذلك، فإن الانتقادات الدولية لسلوك التحالف قوضت الادعاء بأن الضغط العسكري سيؤدي إلى استعادة الاستقرار بسرعة.
لقد منح التدخلُ الحوثيين سرديةً قويةً قائمةً على فكرة مقاومة “العدوان الخارجي”، ورغم أن هذا الطرح لا يبرر حكمهم السلطوي أو انتهاكاتهم الداخلية، إلا أنه ساعدهم في تصوير الحرب على أنها دفاعٌ عن السيادة الوطنية.
كما وفر لهم انهيار الدولة والاستيلاء على أسلحة حكومية مواردَ تفوق بكثير ما قد تمتلكه حركة تمرد محلية؛ إذ أكسبتهم المعارك خبرةً، وساهم طول أمد النزاع في تسريع وتيرة تكيفهم.
الدور الإيراني في الصراع.
وتزايدت أهمية الدور الإيراني؛ فقد حصلت طهران على شريك قادر على تهديد المصالح السعودية بتكلفة منخفضة نسبياً ،وقد وثّق محققو الأمم المتحدة تقديم إيران لمساعدات فنية، وتدريبات، وأسلحة، ودعم مالي لأنظمةٍ لم يكن بوسع الحوثيين إنتاجها ذاتياً على نطاق واسع.
ومع ذلك، لم تكن هذه الحركة “صنيعةً” طهران؛ فجذورها المحلية، وما استولت عليه من مخزونات، وما اكتسبته من خبرات في ساحات القتال، واستغلالها لمؤسسات الدولة المتصدعة، كلها عوامل وسّعت من نطاق نفوذها.
وبمعنى آخر، جاء الدعم الإيراني ليعزز قوة طرفٍ كان موجوداً بالفعل، لا ليخلق طرفاً جديداً من العدم.
لم يعد الخلل مقتصرًا على الجانب العسكري فحسب، بل بات يتخذ طابعًا اقتصاديًا متزايدًا ، ففي حين استثمرت المملكة العربية السعودية في الطائرات وأنظمة الدفاع الجوي، اعتمد الحوثيون على مواقع متفرقة، وطائرات مسيّرة، وصواريخ، وتكتيكات تهدف إلى تعقيد عمليات الرصد والاعتراض.
ولا يحتاج الطرف المهاجم إلى تدمير كل هدف ليُلحق خسائر بالخصم؛ فمجرد حالة عدم اليقين كفيلة بتعطيل الرحلات الجوية، ورفع أقساط التأمين، وإثارة قلق المستثمرين، وإجبار السلطات على تخصيص موارد لحماية البنية التحتية.
ولا يعني هذا أن الدفاعات السعودية عديمة الجدوى أو أن كل هجوم يحقق أهدافه، بل يشير إلى أن حماية اقتصاد كبير ومفتوح من تهديدات متكررة ومنخفضة التكلفة تختلف جوهريًا عن خوض معركة تقليدية، وتتطلب أدوات سياسية إلى جانب الأدوات العسكرية.
تطور الصراع مطلع العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.
ومع مطلع العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، دفعت تكاليف الحرب الرياض نحو خفض التصعيد ، وقد ساعدت سلطنة عُمان في تيسير التواصل بين الأطراف، كما أدت الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة عام 2022 إلى تراجع حدة القتال، دون التوصل إلى تسوية للمستقبل السياسي في اليمن.
وفي عام 2023، أثارت المحادثات بين السعودية والحوثيين آمالًا بالتوصل إلى اتفاق أشمل، إلا أن التفاهمات الثنائية لم تنجح في تقريب وجهات نظر السلطات المتنافسة في اليمن، ولم تضمن تخلي الحوثيين عن قدراتهم العسكرية الإقليمية؛ فالتوقف عن القتال لم يرقَ إلى سلام دائم.
كما يكشف تجدد المواجهة عن مدى هشاشة المسار الدبلوماسي ، ففي يوليو 2026، عقد مبعوث الأمم المتحدة اجتماعات في كل من الرياض ومسقط، داعيًا إلى خفض التصعيد والحفاظ على المكاسب التي تحققت بفضل الهدنة.
وتُظهر جولة القتال الجديدة أن قنوات التواصل لم تفضِ إلى إطار عمل مستدام ، ففي غياب تسوية شاملة يقودها اليمنيون أنفسهم -تغطي قضايا الأمن والحكم والأولويات الاقتصادية- تظل المعارك المحلية قادرة على إشعال تداعيات إقليمية مجددًا.
أين تكمن المعضلة؟
وتكمن المعضلة في أن كلاً من الضغط العسكري والنهج التصالحي لم ينجحا حتى الآن في تحقيق نتيجة مستدامة؛ فالغارات الجوية قد تلحق أضرارًا بالبنية التحتية للحوثيين، لكنها لا تحسم مسألة من يحكم اليمن.
ومن ناحية أخرى، قد تساهم الهدنة الثنائية في تقليل المخاطر، لكنها تترك الأطراف المتنافسة في وضع هش، مع بقاء الحوثيين محتفظين بقدراتهم العسكرية.
وفي ظل غياب آليات المراقبة، والضمانات الأمنية، وعملية سياسية تشمل مختلف الفصائل اليمنية، يجد كل طرف مبررًا لإعادة تعزيز مواقعه والاستعداد لجولة قتال جديدة.
ولا تقتصر التداعيات على اليمن وحده؛ إذ تؤدي التهديدات التي تستهدف الملاحة في البحر الأحمر إلى زيادة التكاليف على الشركات التجارية، وتستدرج قوى خارجية للانخراط في صراع ذي جذور محلية.
تُشكك الهجمات على المنشآت السعودية في افتراض قدرة أنظمة الدفاع المكلفة على حماية كل موقع في أرجاء منطقة شاسعة، صحيح أن اعتراض الهجمات أمر بالغ الأهمية، لكن المعلومات الاستخباراتية والبنية التحتية المتينة والدبلوماسية والتوصل إلى تسوية تُقلل من دوافع تجدد الهجمات لا تقل أهمية.
بالنسبة لحكومات أخرى في الشرق الأوسط، لا تكمن العبرة في أن القوة العسكرية عديمة الأهمية، بل في أنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن استراتيجية سياسية.
فالتحالفات نادراً ما تكون دائمة، وقد يسعى الشركاء المحليون إلى تحقيق أهداف تختلف عن أهداف الجهات الداعمة لهم، كما إن السياسات المصممة للحفاظ على النفوذ قد تؤدي إلى تفاقم الخصومات، في حين يمكن للحرب أن تمنح الخصم مصداقية وخبرة ووسائل جديدة للرد.
لم تكن الأسرة السعودية هي من أوجد الحوثيين، لكن المنافسة الدينية التي دعمتها السعودية فاقمت التوترات في شمال اليمن، كما أتاح التدخل العسكري عام 2015 لهذه الحركة -التي كانت قائمة بالفعل- فرصاً إضافية للحشد وتوسيع نطاق نفوذها.
وهكذا، ساهمت قرارات كان الهدف منها الحفاظ على النفوذ الإقليمي في تعزيز تهديدٍ بات من الصعب احتواؤه.
بإمكان المملكة العربية السعودية تقليل المخاطر التي تواجهها من خلال الدبلوماسية ودعم عملية سياسية جادة في اليمن؛ غير أن وقف إطلاق النار لن يصمد إذا ظل الصراع على السلطة في البلاد دون تسوية.
الخلاصة .
إنّ العبرة الكبرى التي يجب أن تعيها عواصم القرار في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها الرياض، هي أنّ التفوق المالي والترسانات الغربية الحديثة تقف عاجزة أمام عدو لا يملك ما يخسره، وتعلّم جيداً كيف يحوّل الرماد إلى وقود للصمود.
إن الاستمرار في اتخاذ أنصاف الحلول وإدارات الأزمات المؤقتة ليس سوى “تأجيل لانفجار أكبر”، وليس حلاً له.
لا يمكن للأمن القومي أن يُشترى بصفقات السلاح الباهظة وحدها، كما أن استقرار الخليج وسلامة الملاحة العالمية لن يستتبا طالما بقيت الحديقة الخلفية لليمن قاعدةً متقدمة للميليشيات والوكلاء.
لذا، فإن الخروج الحاسم من هذا الكابوس التاريخي لا يتحقق إلا بمعادلة صارمة لا تقبل التجزئة:
“تفكيك استراتيجي للتهديدات العابرة للحدود، مقابل تدشين مبادرة إعمار وطنية كبرى تعيد بناء الإنسان والدولة في اليمن تحت سقف سياسي جامع”.


