كتابنا

سقوط قوة عظمى: ماذا يقرأ العراق في النهاية السوفيتية؟

سقوط قوة عظمى: ماذا يقرأ العراق في النهاية السوفيتية؟

كتب✒️ : عمر رشيد السامرائي

شكّلت نهاية الاتحاد السوفيتي، أو انهياره، في كانون الأول عام 1991، نهاية دولة امتدت على مساحة جغرافية هائلة، ولحظة كشفت كيف يمكن للقوة التي تبدو راسخة في أعين العالم أن تواجه تراجعًا عميقًا حين تتراكم الأزمات الاقتصادية والسياسية، وتتسع المسافة بين مؤسسات الحكم وتطلعات الشعب. فالدولة التي امتلكت ترسانة عسكرية ضخمة، ونفوذًا دوليًا واسعًا، ومكانة في ميزان القوى العالمي، وجدت نفسها أمام تحولات أنهت اتحاد الجمهوريات السوفيتية بعد عقود من السيطرة المركزية على العالم.
إن استحضار هذه التجربة اليوم يفتح بابًا للنقاش حول واقع الدولة العراقية اليوم، وطبيعة عمل حكوماتها، وقدرتها على تحويل موارد البلاد إلى منجزات يلمسها المواطن في حياته اليومية. فالمقارنة هنا تتجاوز اختلاف الأنظمة السياسية والظروف التاريخية، لتصل إلى سؤال جوهري: ما الذي يجعل الدولة قوية في حقيقتها: حجم مواردها، أم كفاءة مؤسساتها، أم ثقة مواطنيها بقدرتها على إدارة شؤونهم؟
عاش الاتحاد السوفيتي سنوات طويلة بوصفه إحدى القوتين الأعظم في العالم، ودخل مراحله الأخيرة وسط أزمات اقتصادية متراكمة، وبيروقراطية ثقيلة، ومنافسة دولية مكلفة، وصعوبات في تحديث بنيته السياسية والاقتصادية. وعندما أطلق ميخائيل غورباتشوف إصلاحاته المعروفة بإعادة الهيكلة والانفتاح، ظهرت تناقضات داخل النظام، وتراجعت قدرة السلطة المركزية على ضبط التحولات التي أخذت تتسع في الجمهوريات المكوّنة للاتحاد.
كان السقوط حصيلة تفاعل عوامل اقتصادية وسياسية وقومية، إلى جانب صراعات داخل النخبة الحاكمة وإخفاقات في إدارة الإصلاح، بما يتجاوز اختزاله في قرار واحد أو مؤامرة منفردة، كما يتصوره البعض. وقد انتهى المسار بإعلان حل الاتحاد في عام 1991، لتتحول خريطة سياسية اعتاد العالم ثباتها إلى مجموعة من الدول المستقلة.
وتكمن أهمية هذه التجربة في أن المؤسسات السياسية قد تبدو متماسكة من الخارج، بينما تواجه في داخلها أزمات تتعلق بفاعلية الإدارة، ومرونة النظام، وقدرته على الاستجابة لمطالب المجتمع. وهذا ما يلاحظه الشارع العراقي. وحين تتراكم المشكلات من دون حلول مقنعة، تصبح قوة الدولة بحاجة إلى مراجعة حقيقية تتجاوز المظاهر والشعارات.
يمتلك العراق موارد طبيعية كبيرة، وفي مقدمتها النفط، فضلًا عن طاقات بشرية شابة وموقع جغرافي مهم. ومع ذلك، تظل ملفات الخدمات العامة، وفرص العمل، والكهرباء، والمياه، وتنويع الاقتصاد، ومكافحة الفساد، من القضايا التي تفرض نفسها على النقاش العام. وتشير تقارير دولية إلى استمرار تحديات الحكومات والفساد والاعتماد الواسع على الإيرادات النفطية، وهي عوامل تؤثر في قدرة الاقتصاد العراقي على بناء نمو مستدام وتوفير فرص عمل كافية.
وهنا تبرز المقارنة مع التجربة السوفيتية من زاوية إدارة الدولة، بعيدًا عن توقع انهيار العراق أو مساواته بالاتحاد السوفيتي. فالعراق يختلف عنه في تكوينه السياسي والاجتماعي، وطبيعة نظامه الاقتصادي، وسياقه التاريخي. وتتيح التجارب الدولية مجالًا لاستخلاص الدروس المتعلقة بكفاءة المؤسسات، ووضوح المسؤولية، وقدرة الحكومات على التعامل مع الأزمات قبل تحولها إلى مشكلات أكثر تعقيدًا.
إن بناء دولة ناجحة يتطلب ما يتجاوز وفرة الموارد وحدها. فالقيمة الحقيقية للثروة تظهر في أثرها على حياة الناس، وفي قدرة المؤسسات على توجيهها نحو التنمية، وتطوير التعليم والصحة والبنية التحتية، وخلق بيئة اقتصادية تمنح الشباب فرصة لبناء مستقبلهم. وحين تصبح الوعود اختبارًا للثقة، ماذا يحصل بعدها؟
من أبرز الأسئلة التي تواجه العمل الحكومي في العراق العلاقة بين الوعود السياسية والنتائج الملموسة. فالمواطن يقيس أداء الدولة من خلال تفاصيل يومه: خدمة مستقرة، وفرصة عمل عادلة، ومعاملة إدارية واضحة، ومؤسسات تستجيب لاحتياجاته، وقانون يُطبَّق على الجميع.
وتزداد أهمية هذا الجانب عندما يشعر المواطن بأن الخطاب الرسمي يتحرك بوتيرة أسرع من التغيير الذي يراه على أرض الواقع. فالثقة العامة تتشكل تدريجيًا من خلال الإنجاز والشفافية والمساءلة، كما يمكن أن تتراجع عندما تتكرر المشكلات وتظل المسؤوليات غامضة.
وقد أظهرت التجربة السوفيتية أن الأزمات الاقتصادية والسياسية يمكن أن تتداخل مع تراجع شرعية النظام وتزايد الخلافات داخل مراكز القرار. أما الدرس الذي يمكن أن تستفيد منه الحكومة العراقية، فهو ضرورة التعامل الجاد مع مؤشرات الخلل، وفتح المجال أمام النقد المسؤول، وتحويل مطالب المواطنين إلى برامج قابلة للقياس والتقييم.
فالدولة التي تستمع إلى مواطنيها وتراجع أداءها تمتلك فرصة أكبر لمعالجة الأخطاء، بينما يؤدي تجاهل المشكلات أو الاكتفاء بتجميل صورتها إلى إضعاف فرص الإصلاح.

*المحاصصة والبيروقراطية: تحديات أمام بناء المؤسسات*
تواجه الإدارة العراقية تحديات تتصل بتوزيع المسؤوليات، وكفاءة التعيينات، واستقلالية مؤسسات الرقابة، وآليات اتخاذ القرار. وقد تناولت تقارير مختصة أثر نظام المحاصصة السياسية في ترسيخ بعض أنماط المحسوبية وإضعاف جهود الإصلاح ومكافحة الفساد.
وتتجلى خطورة هذه الإشكالات عندما تتقدم المصالح الحزبية أو الشخصية على معايير الكفاءة والمصلحة العامة، أو عندما تتوزع المسؤولية بطريقة تجعل تحديد الجهة المسؤولة عن الإخفاق أمرًا معقدًا. فالمؤسسات القوية تحتاج إلى إدارة مهنية، وقواعد واضحة، ورقابة مستقلة، وقدرة على الاستمرار في أداء وظائفها بعيدًا عن تقلبات التوازنات السياسية.
ومن هنا، يتجاوز الإصلاح تغيير الوجوه وحده إلى تطوير آليات العمل الحكومي، وتعزيز الشفافية، وربط المسؤولية بالنتائج، وتوفير ضمانات حقيقية لمحاسبة المقصرين. كما يتطلب بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وتقليل الاعتماد على النفط، بما يحرر قدرة الدولة على الإنفاق والخدمات من الارتهان لتقلبات سوق الطاقة.

*هل يمكن أن يتكرر التاريخ؟*
إن طرح السؤال عن احتمال تكرار التجربة السوفيتية في العراق يحتاج إلى قدر من الدقة؛ فأحداث التاريخ تتخذ صورًا مختلفة، ويحتاج التنبؤ بمصير دولة بعينها إلى ما يتجاوز أوجه التشابه العامة. انهيار الاتحاد السوفيتي ارتبط بظروف محددة، من بينها أزمة اقتصادية عميقة، وتفكك السلطة المركزية، وتصاعد النزعات القومية، وصراعات سياسية انتهت بحل الاتحاد.
أما العراق، فتحدياته ترتبط ببنية نظامه السياسي وإدارة موارده، وتطوير مؤسساته، وتحسين الخدمات، وتوسيع فرص المشاركة الاقتصادية والسياسية. لذلك، فإن المقارنة الأكثر فائدة هي تلك التي تسأل عن قدرة الدولة على معالجة نقاط ضعفها، بعيدًا عن التنبؤ بسقوطها.
إن التحذير الحقيقي يتجاوز القول إن العراق سيواجه المصير السوفيتي، ويتمثل في التأكيد أن أي دولة تحتاج إلى مراجعة مستمرة لسياساتها، وأن الاستقرار طويل الأمد يرتبط بفاعلية المؤسسات وعدالة الإدارة واستجابة الحكم لاحتياجات المجتمع.

*الإصلاح قبل أن تتحول الأزمات إلى منعطفات تاريخية*
تمنح التجربة السوفيتية صناع القرار في العراق فرصة للتأمل في أهمية الإصلاح المبكر والمتدرج، وضرورة بناء مؤسسات تستند إلى الكفاءة والقانون، وتطوير الاقتصاد بما يقلل هشاشته أمام الأزمات، وتعزيز ثقة المجتمع بالعمل الحكومي.
ويبدأ ذلك من خطوات عملية: إعلان نتائج المشاريع العامة ومراحل إنجازها، وتقييم أداء المؤسسات وفق مؤشرات واضحة، وتفعيل الرقابة على الإنفاق، وتوسيع فرص العمل في القطاع الخاص، وتحسين الخدمات الأساسية، وضمان وصول المواطنين إلى المعلومات المتعلقة بأداء الجهات العامة.
كما أن وجود معارضة سياسية وإعلام مهني ونقد مجتمعي مسؤول يمثل فرصة لتصحيح المسار، حين تتعامل السلطات مع هذه الأصوات بوصفها جزءًا من عملية الإصلاح، وتتجاوز النظر إليها باعتبارها مجرد تحدٍّ لهيبتها.
فالتاريخ يكشف كلفة تجاهل الإشارات المبكرة للأزمات، ويمنح الدول فرصة لفهم الأخطاء التي وقعت فيها تجارب أخرى، مع بقاء صياغة الحلول مرتبطة بخصوصية كل تجربة، بعيدًا عن الوصفات الجاهزة.

*قوة الدولة في ما تقدمه لمواطنيها*
حين أُسدل الستار على الاتحاد السوفيتي عام 1991، انتهى فصل كبير من تاريخ العالم، وبدأت مرحلة جديدة أعادت تشكيل العلاقات الدولية. وحمل ذلك الحدث تحولًا في الحدود والأعلام، وتجربة تستحق القراءة في ضوء العلاقة بين السلطة والمؤسسات والمجتمع.
وبالنسبة إلى العراق، فإن القيمة الحقيقية لهذه التجربة تكمن في تحويل التاريخ إلى أداة للمراجعة والتطوير. فالمطلوب من الحكومة العراقية بناء دولة يشعر المواطن بفاعليتها في حياته، ويرى مواردها تتحول إلى خدمات وفرص وتنمية، ويجد في مؤسساتها عدالة وشفافية ومسؤولية.
فمقياس الدول يتجاوز ما تملكه من ثروات وشعارات إلى ما تستطيع إنجازه لمواطنيها، وقدرتها على إصلاح أخطائها قبل أن تتحول إلى أزمات تهدد مستقبلها. وهذه هي الرسالة الأهم التي يمكن أن يحملها سقوط الاتحاد السوفيتي إلى أي حكومة تسعى إلى بناء دولة مستقرة وقادرة على مواجهة تحديات المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى