
تحليل بقلم :حسين مرتضى
باحث سياسي
من قلب العاصمة الاقتصادية والثقافية للولايات المتحدة، emerges صوتٌ جديدٌ يعبّر عن وعيٍ تقدّميٍّ يرفض الابتزاز المالي والسياسي، ويؤسس لمرحلة مختلفة في علاقة واشنطن بالعالم العربي.
يشكّل فوز زهران ممداني في ولاية نيويورك محطة سياسية لافتة في المشهد الأميركي، لا يمكن اختزالها في كونها مجرد انتصار انتخابي محلي، بل هي مؤشر على تحولات أعمق تمس البنية السياسية والفكرية داخل الولايات المتحدة، وتحديدًا في العلاقة بين المال واللوبيات وبين الإرادة الشعبية الجديدة.
فمنذ سنوات، اعتمد الرئيس دونالد ترامب على شبكة دعم متينة تضم اليهود الأميركيين المؤيدين لإسرائيل، وخصوصًا في نيويورك حيث يشكّلون نحو 13% من السكان، إضافة إلى أكثر من 26 مليارديرًا جمهوريًا يستخدمون نفوذهم المالي لترجيح كفة التيار اليميني في الانتخابات.
لكن هذه المرة، جاءت النتيجة معاكسة تمامًا: فقد خسر ترامب رهانه في قلب معقله الاقتصادي والإعلامي، لصالح مرشح يعبّر عن التيار التقدمي المناصر لحقوق الفلسطينيين والمناهض للهيمنة الاقتصادية والسياسية التي تمارسها النخب التقليدية.
تكتسب هذه الهزيمة رمزية مضاعفة لأنها وقعت في مدينة نيويورك، العاصمة الاقتصادية والثقافية للولايات المتحدة، والتي تمتلك أكثر من 21% من السوق البنكية العالمية وتُعد مركزًا رئيسيًا للتجارة والمال وصناعة القرار الدولي، حيث مقر الأمم المتحدة وسوق الأوراق المالية ومؤشر “داو جونز”. وبالتالي فإن خسارة ترامب لهذا الموقع، ليست حدثًا انتخابيًا فقط، بل انتكاسة سياسية واستراتيجية لطموحاته في إعادة بناء قاعدة نفوذ جمهورية في المدن الكبرى.
فوز ممداني، بصفته ابن المهاجرين وصوت الفئات المهمشة، يعكس تغيّرًا في المزاج العام الأميركي، خصوصًا بين الأجيال الشابة التي باتت ترى في سياسات ترامب نموذجًا للتمييز والتعصب. كما أنه يعكس تصاعد الوعي النقدي تجاه الدور الإسرائيلي في السياسة الأميركية، بعد سنوات من التبعية العمياء التي ربطت الولاء لإسرائيل بمعيار الوطنية.
أما تهديد ترامب بقطع التمويل عن نيويورك، فهو يعكس ذهنيته العقابية والانفعالية، أكثر مما يعكس رؤية اقتصادية. فهذه المدينة وحدها تملك ناتجًا محليًا يقارب تريليوني دولار، ما يجعلها من بين أكبر الاقتصادات في العالم. أي أن استهدافها ماليًا، هو بمثابة إضعاف للاقتصاد الأميركي نفسه.
سياسيًا، يمكن القول إن فوز ممداني يؤشر إلى بداية تصدع التحالف التاريخي بين اليمين الأميركي واللوبي الصهيوني، ويفتح الباب أمام بروز تيار جديد يوازن بين المصالح القومية الأميركية والعدالة في السياسة الخارجية. وهذا التحول، إن تعمّق، قد ينعكس مستقبلًا على الموقف الأميركي من قضايا الشرق الأوسط،
الجالية العربية والمسلمة… من الهامش إلى التأثير
يشكّل فوز زهران ممداني أيضًا إشارة قوية إلى تنامي تأثير الجالية العربية والمسلمة في الولايات المتحدة، ولا سيّما في المدن الكبرى مثل نيويورك وشيكاغو وديترويت، حيث باتت هذه الجاليات أكثر وعيًا بأهمية المشاركة السياسية، وأقدر على توظيف حضورها العددي والاقتصادي في خدمة قضاياها العامة.
لقد كانت مشاركة الناخبين العرب والمسلمين في هذه الانتخابات لافتة، سواء عبر التصويت أو من خلال العمل التطوعي في الحملات الانتخابية، وهو ما عكس تحوّلًا في الوعي الجماعي لهذه الجاليات التي كانت في السابق مترددة أو مهمّشة سياسيًا. واليوم، أصبحت تمتلك أدوات تنظيم وخطاب سياسي قادر على مواجهة الإعلام التقليدي واللوبيات المهيمنة.
زهران ممداني نفسه يمثل هذا التحول، فهو من جيلٍ جديد من السياسيين الأميركيين من أصول مهاجرة، الذين لا يرون في الانتماء العربي أو الإسلامي عبئًا أو تهمة، بل عنصر قوةٍ وهويةٍ ثقافيةٍ منفتحة على التعدد والديمقراطية. وقد رفع صوته مرارًا ضد العدوان على غزة، وندّد بسياسات الاحتلال الإسرائيلي، من داخل المؤسسة السياسية الأميركية، وهو ما لم يكن ممكنًا قبل عقد من الزمن.
على المدى المتوسط، من المرجّح أن يزداد هذا الحضور السياسي في الانتخابات الرئاسية المقبلة،
قراءة استراتيجية في التحول السياسي الأميركي
فوز زهران ممداني في نيويورك ليس حدثًا عابرًا، بل هو مؤشر استراتيجي على تحوّلٍ أعمق في بنية الخطاب السياسي الأميركي، يطال مفاهيم النفوذ، والتحالفات، والهوية الوطنية.
على المستوى الداخلي، يشير هذا التطور إلى تراجع سطوة المال واللوبيات الصهيونية على القرار الانتخابي، وبدء تشكّل معارضة فكرية جديدة داخل المجتمع الأميركي، تتبنى رؤية أكثر استقلالًا وعدالة. فالمزاج الشعبي، خصوصًا بين الشباب واليسار التقدمي، يتجه نحو رفض الارتباط الأعمى بإسرائيل، وإعادة تعريف مفهوم “المصلحة الوطنية الأميركية” بعيدًا عن ضغوط اللوبيات الخارجية.
أما على المستوى الخارجي، فإن هذا التحول يضعف قدرة الخطاب الصهيوني على احتكار تمثيل القيم الأميركية في العالم. فبروز أصوات مثل ممداني، تدافع عن حقوق الفلسطينيين وتنتقد ازدواجية واشنطن في قضايا الشرق الأوسط، يعني أن الرأي العام الأميركي بدأ يتجاوز الرواية الرسمية التي هيمنت لعقود، وبدأ ينظر إلى الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي من زاوية أخلاقية وإنسانية لا أيديولوجية.
هذه الدينامية الجديدة تُقلق النخب التقليدية، وتعيد خلط الأوراق داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، إذ يُتوقّع أن تشهد السنوات المقبلة إعادة تموضع للخطاب السياسي الأميركي تجاه قضايا العالم العربي والإسلامي، بما فيها فلسطين ولبنان، تحت ضغط الرأي العام الداخلي المتنامي.
وباختصار، يمكن القول إن فوز ممداني هو تعبير عن تصدّع النموذج الأميركي القديم الذي جمع بين رأس المال، والإعلام، واللوبي الصهيوني، لصالح نموذج جديد أكثر تحررًا وجرأة في قول الحقيقة. وهو ما يجعل من نيويورك — هذه المرة — منطلقًا لتحولٍ ثقافي وسياسي قد يغيّر وجه الولايات المتحدة في العقد القادم.



