كتابنا

حين تنقلب البروباغاندا الصهيونية على صانعيها

كتب إسماعيل النجار

 

حين تنقلب البروباغاندا الصهيونية على صانعيها؛ قراءتي التحليلية في فشل الحرب النفسية الإسرائيلية على بيئة المقاومة،

 

.في سياق الصراع المفتوح، لم تعد أدوات الحرب مقتصرة على الميدان العسكري، بل توسّعت لتشمل الفضاء الإعلامي والرقمي، حيث تُسخَّر تقنيات الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى المُوجَّه لبناء سرديات تخدم أهدافاً نفسية وسياسية.

.إسرائيل، في هذا الإطار، حاولت توظيف هذه الأدوات لإحداث اختراق في وعي بيئة المقاومة، بالتوازي مع ممارسة ضغوط سياسية على الحكومة اللبنانية، في مسعى لتحويل الجيش اللبناني إلى وظيفة “شرطي حدود” وفق الرؤية الإسرائيلية.

.غير أنّ محاولة البروباغاندا الأخيرة، المتمثّلة في بثّ فيديو للأسير عماد أمهز، قدّمت نموذجاً معاكساً لما أراده مُنتجوها. فالقراءة المتأنّية لمضمون الفيديو وسياقه تكشف خللاً منهجياً في الرواية الإسرائيلية، وتُظهر فشلها في تحقيق أهدافها الدعائية.

.أولاً، على المستوى السلوكي، بدا الأسير هادئاً ومتّزناً، بعيداً عن الارتباك أو الانفعال. هذا الهدوء ليس تفصيلاً شكلياً؛ إذ تشير دراسات الاتصال غير اللفظي إلى أنّ حالة الطمأنينة في سياق الاستجواب المصوَّر تعكس وعياً بالمشهد وإدراكاً لوظيفته الإعلامية. وهو ما يُسقط تلقائياً فرضية “الانكشاف” التي سعت الرواية الإسرائيلية إلى تثبيتها.

.ثانياً، على المستوى اللغوي والمعرفي، جاءت إجابات الأسير محكومة بصيَغ الاحتمال: “ممكن”، “ربما”، “أعتقد”. هذه الصيَغ، في التحليل الاستخباري، لا تصدر عن صاحب موقع قيادي يُفترض أن يمتلك معرفة دقيقة ومباشرة بكل المخططات التي وضعتها المقاومة.

.هنا يتبدّى التناقض الجوهري بين ادّعاء الأجهزة الإسرائيلية أنّ أمهز “قائد وازن” في قوة بحرية، وبين مضمون إجاباته التي تعمّدت العمومية وتجنّبت الجزم.

.ثالثاً، عند الانتقال إلى مضمون الأسئلة والأجوبة، تتّضح محاولة دفع الأسير إلى تبنّي رواية عمليات خارج إطار إسرائيل. غير أنّ الردود بقيت عامة، بلا تحديد جغرافي أو تشغيلي، ما أفقد الفيديو قيمته “الاستخبارية” المزعومة. فالقائد بحسب المعايير المهنية لا يتكهن ولا يبني مواقفه على الظن، وهذه القاعدة كانت حاضرة في أداء الأسير الذي بدا مدركاً لغاية التصوير أكثر من مدركيها.

.من زاوية تحليل البروباغاندا، يتّضح أنّ نشر الفيديو كان رهاناً على التأثير السريع، لكنه اصطدم بواقع التداول المفتوح الذي يصعب التحكم بمساراته. فالرسالة لم تُستقبل كما خُطّط لها،

بل انقلبت إلى مادة تشكّك في صدقية الأجهزة الإسرائيلية، وتُبرز ذكاء الأسير وقدرته على إدارة الموقف بهدوء وثقة.

.في نهاية المطاف أنّ هذه المحاولة لم تُضعف بيئة المقاومة، ولم تُقنع الرأي العام بسردية مُحكَمة، بل كشفت فجوة بين الادّعاء والواقع. والأهم أنّها أعادت طرح سؤال الصدقية حين تُبنى الروايات على التهويل والتناقض، فإنّ أول ما يسقط هو الثقة. وفي هذه الحالة، لم يسقط الأسير في الفخ، بل سقطت البروباغاندا نفسها،

لتبقى شاهدةً على فشل حرب نفسية أُريد لها أن تكون ذكية، فإذا بها تصبح غبيه وتُفضَح بأدواتها.

 

بيروت في،،  21/12/2025

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى