العيش على خط الزلازل السياسية.

العيش على خط الزلازل السياسية.
كتب✍️ :راهي الحاتم
يبدو أن شعوب الشرق الأوسط لم تُبتلَ بالتاريخ وحده، بل بلعنة الجغرافيا أيضاً. فقد وُضعت هذه الشعوب في رقعة من العالم تشبه قلب العاصفة؛ حيث تتقاطع القارات، وتلتقي طرق التجارة العالمية، وتتزاحم المصالح الدولية فوق أرض واحدة. هنا يلتقي النفط بالتاريخ، ويتشابك الدين بالسياسة، وتتحول المضائق والبحار والحدود إلى مفاتيح تتحكم بإيقاع الاقتصاد العالمي. ولهذا لم يكن الشرق الأوسط يوماً مجرد جغرافيا عادية، بل عقدة استراتيجية في جسد العالم، ومن يسكن العقدة يعيش دائماً تحت ضغطها.
في هذه المنطقة لا يعيش الإنسان قلقه بسبب الطبيعة بقدر ما يعيشه بسبب الموقع. فالأرض هنا ليست زلزالية بقدر ما هي سياسية؛ تضطرب كلما تحركت أطماع القوى الكبرى، وتهتز كلما أعادت الإمبراطوريات القديمة والجديدة ترتيب خرائط النفوذ. لذلك يشعر المواطن في الشرق الأوسط وكأنه يقف دائماً على أرض غير مستقرة، لا لأن الجبال تنهار أو البحار تثور، بل لأن المصالح الدولية تتزاحم فوق هذه الجغرافيا بلا توقف.
لقد تحولت الجغرافيا هنا من قدرٍ جغرافي إلى قدرٍ سياسي ثقيل. فالموقع الذي كان يمكن أن يكون جسراً للحضارات ومعبراً للتكامل الاقتصادي بين الشرق والغرب، تحول في كثير من الأحيان إلى ساحة صراع مفتوحة. النفط الذي يفترض أن يكون ثروة للرفاه أصبح وقوداً للتنافس الدولي، والممرات البحرية التي كان يفترض أن تكون جسوراً للتجارة أصبحت نقاط توتر عسكري دائم.
ولذلك يبدو الشرق الأوسط وكأنه يعيش داخل معادلة قاسية: كلما حاولت شعوبه بناء الاستقرار، أعادها موقعها إلى قلب الصراع العالمي. فهذه الأرض ليست بعيدة عن العالم، بل هي في مركزه تماماً، وهذا المركز نفسه هو ما جعلها هدفاً دائماً للهيمنة والتنافس.
إن مأساة الشرق الأوسط ليست في شعوبه ولا في ثقافاته، بل في موقعه الذي جعله دائماً محط أنظار القوى الكبرى. فالجغرافيا هنا ليست مجرد حدود مرسومة على الخريطة، بل قدر ثقيل يصعب الإفلات منه. ولهذا يبدو وكأن أبناء هذه المنطقة يعيشون على خط الزلازل السياسية الدائم، حيث لا تهدأ الأرض طويلاً، ولا يغيب الصراع إلا ليعود في شكل آخر.
فالشرق الأوسط لم يكن يوماً هامشاً في التاريخ، بل قلبه المضطرب؛ ومن يسكن القلب، يعيش دائماً تحت ضغط النبض العنيف للعالم.



