كتابنا

وهم القلعة الآمنة..

أربيل بين سردية الاستقرار وحقائق الانكشاف

وهم القلعة الآمنة.. أربيل بين سردية الاستقرار وحقائق الانكشاف

 

كتب✍️ :راهي الحاتم 
على مدى سنوات، جرى تقديم أربيل بوصفها الاستثناء العراقي الهادئ مدينة تقف خارج العاصفة، وتنجح حيث تعثّر الآخرون، وتفتح أبوابها للاستثمار فيما تُغلق محيطها على الفوضى. صورة لامعة، صُنعت بعناية، وروّج لها كأنها حقيقة نهائية لا تقبل الشك.
لكن المدن لا تُقاس بما يُقال عنها، بل بما تخفيه تحت سطحها.
ومع كل تصعيد إقليمي، ومع كل اهتزاز في موازين القوى، تتعرض هذه “السردية” لاختبار قاسٍ يكشف هشاشتها. ففكرة “القلعة الآمنة” في منطقة مشبعة بالصراعات ليست سوى فرضية مؤقتة، سرعان ما تتآكل عندما تتقاطع داخلها خطوط النفوذ وتتزاحم حولها الأجندات.


الرهان لم يكن يومًا على الاستقرار بحد ذاته، بل على القدرة على البقاء خارج الحسابات الكبرى. غير أن هذا الرهان يبدو اليوم في مهب الريح. فحين تتحول المدينة إلى نقطة جذب لتوازنات حساسة، فإنها تفقد تدريجيًا صفتها كمساحة مدنية، وتدخل بوعي أو بدونه في قلب معادلة لا ترحم.
الواقع الإقليمي لا يعترف بالفراغات الآمنة، ولا يمنح حصانات دائمة. وكل تجربة حاولت أن تبني “جزيرة مستقلة” داخل بحر مضطرب انتهت إلى نتيجة واحدة: الانكشاف المؤجل.
في هذا السياق، لم تعد أربيل مجرد مدينة تسعى إلى تثبيت نموذجها الاقتصادي، بل أصبحت محاطة بأسئلة أكبر من مشاريعها، وأثقل من صورتها الإعلامية. أسئلة تتعلق بطبيعة الدور، وحدود الانخراط، وكلفة الاستمرار في مسار يزداد تعقيدًا مع كل تطور جديد.
المشكلة ليست في وجود مخاطر—فذلك قدر المنطقة—بل في كيفية إدارتها. بين خطاب يَعِد بالأمان وواقع تتشابك فيه المصالح، تتسع فجوة لا يمكن تجاهلها. وكلما اتسعت، تآكلت الثقة بالصورة التي جرى بناؤها لسنوات.
التاريخ القريب يهمس بتحذير واضح: المدن التي تُثقل بأدوار تتجاوز طبيعتها، تدفع ثمنًا مضاعفًا. لا تنهار فجأة، لكنها تفقد تدريجيًا قدرتها على التوازن، حتى تجد نفسها في قلب ما كانت تظن أنها بعيدة عنه.
اليوم، تقف أربيل أمام لحظة مفصلية. ليست المسألة في إثبات أنها آمنة، بل في إعادة تعريف معنى الأمان ذاته. فبين مدينة تُدار بمنطق التنمية، وأخرى تُستدرج إلى تقاطعات الصراع خيط رفيع لكن نتائجه حاسمة.
وفي لحظات كهذه، لا يسقط الواقع… بل تسقط الروايات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى