العقائد

حين تتطوّر الوسائل وتبقى الحقيقة

حين تتطوّر الوسائل وتبقى الحقيقة

كتبت :د. بتول امين عرندس 

رشفة كاس شاي، وهدوءٍ يحيط بي، كنت أستمع إلى محاضرة السيد هادي المدرسي عن الإلحاد ونظرية التطور، حتى تبلور في ذهني هذا الاستنتاج:
العلم يكتشف سنن الكون ولا يخلقها؛ يشرح كيف تعمل الأشياء، لكنه لا يملك، أن يغيّر حقيقة وجودها أو يحسم وحده الأسئلة الكبرى عن أصل الوجود ومعناه.
لقد دخلنا اليوم عوالم افتراضية واسعة، حتى كدنا ننشغل بها عن واقعنا، ونخلط بين ما نصنعه بأدواتنا وما نحن عليه في حقيقتنا. لكن لحظة واحدة نغمض فيها أعيننا كفيلة بأن تعيدنا إلى بساطة الوجود، جسدٌ يحتاج إلى الطعام، وعقلٌ يحتاج إلى الراحة، وروحٌ تتساءل عن الغاية والمعنى.
مهما تطوّرت التكنولوجيا، واتّسعت العوالم الرقمية، فإنها تظلّ تطوّرًا في الوسائل، لا دليلًا على تغيّر جوهر الإنسان أو استغنائه عن حاجاته الأساسية. فالشاشات، مهما بلغت من الذكاء، لا تمنح الوجود غايته، ولا تجيب وحدها عن سؤال: لماذا نحن هنا؟
وهنا تكمن المفارقة؛ كلّما اتّسعت قدرتنا على تفسير العالم، ازدادت أهمية السؤال عن المعنى الذي يتجاوز مجرد وصف ظواهره. فالعلم يصف القوانين ويكشف انتظامها، أمّا الأسئلة المتعلّقة بالخالق والغاية النهائية للوجود، فتحتاج إلى تأمّل فلسفي وإيماني يتجاوز حدود الوصف العلمي وحده.
ويقيني أن الله هو الحقيقة المطلقة، وأن تطوّر المعرفة لا ينفي وجوده، كما أن اتّساع الوهم الرقمي لا يستطيع أن يحلّ محلّ الحقيقة.
العلم، في نظري، ليس خصمًا للإيمان، بل يمكن أن يكون نافذةً للتأمّل في دقّة الكون وعظمة نظامه، بينما يبقى الإيمان بالله إجابةً عن سؤال المعنى والغاية.
قد تتغيّر أدوات الإنسان، وتتبدّل عوالمه، وتتسع معارفه، لكن السؤال الأعمق يظلّ قائمًا: هل يكفي أن نعرف كيف يعمل الكون، أم أننا بحاجة أيضًا إلى أن نفهم لماذا وُجد؟
بالنسبة إليّ، هنا يبدأ التأمّل الحقيقي، حين لا أكتفي بمعرفة قوانين الأشياء، بل أتجاوزها بعقلي إلى التساؤل عن خالقها وحكمة وجودها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى