روحٌ لا يطالها الخريف

روحٌ لا يطالها الخريف
كتبت✒️د. بتول امين عرندس
كلُّ شيءٍ فيّ تأخذه السنوات إلى التغيّر، إلا الروح التي تسكنها المحبة؛ فتبقى يانعةً مهما أثقلتها الأيام.
ربما كبرتُ في العمر، لكن شيئاً من روحي ما زال مقيماً هناك: بين جدران بيت أهلي، في حضن أمّي الدافئ وأمان أبي الهادئ؛ حيث كانت الحياة أبسط، والسعادة تسكن تفاصيل صغيرة هادئة لا تحتاج إلى كثير من الأشياء.
أحرص على أن تبقى تلك الروح حيّةً في داخلي؛ فلا أُطيل الخصام، ولا أترك للضغينة مكاناً في قلبي. قد يؤلمني موقف، أو تخذلني كلمة، لكنني لا أُحب أن أمنح الوجع أكثر مما يستحق. أراجع نفسي بهدوء وسكينة، وأترك لله ما عجزتُ عن فهمه أو تجاوزه.
أؤمن أن التسامح نعمةٌ رقيقة، وأن القدرة على تجاوز الألم عطاءٌ من الله، وأن النسيان قد يكون رحمةً تُلين قلبي. فليس أجمل لي من قلبٍ يحتفظ بقدرته على الحب والعطف والعطاء، مهما قسَت عليَّ التجارب.
وحين يثقلني الوجع، أستحضر الله بصدق، فأطمئن إلى أن في كل جرحٍ لطفاً قد لا أدركه، وفي كل مظلمةٍ عدلاً لا يضيع؛ وأن ما تعجز الكلمات عن إنصافه لا يعجز الله عن إظهاره وردّ الحقوق إلى أصحابها.
لا أريد أن أشبه الذين آذوني، ولا أن أسمح للقسوة بأن تنتزع مني ما أحببته في نفسي. أريد أن أبقى كما أنا: صافية الروح، واسعة القلب، بعيدة عن الأحقاد، أتعامل مع الحياة بروح المحبة، وأترك حساب القلوب لخالقها.
فالعمر ليس عدد السنوات التي مضت، بل مقدار ما بقي في روحي من نقاء وقدرة على الحب. والحمد لله على روحٍ عبرت بها الأيام، ومرّت بها الخيبات، لكنها لم تفقد إيمانها ولا خضرتها.



