فوق الشبهات ضمير لا رهينة لضنون الناس

فوق الشبهات ضمير لا رهينة لضنون الناس
كتب✒️:راهي الحاتم
ارفع نفسك فوق الشبهات، واجعل أخلاقك مرآةً صادقة لضميرك، وتصرفاتك شهادةً على حقيقة ما تؤمن به، فالنفس البشرية ليست مرآة واحدة للحقيقة، بل تحمل من التجارب والهواجس والأحكام المسبقة ما يجعل ما تراه أنت عابرًا وبسيطًا يتحول في عين غيرك إلى موضع شك، وما تقصده بحسن نية يُفسَّر على غير حقيقته.
ومن هنا تنبع أهمية الحكمة، فكما أن على الإنسان أن يحسن الظن بالآخرين، عليه أن يحرص على وضوح مواقفه، لا ليخضع للرقابة بل ليغلق باب الالتباس الذي قد يسيء إلى سمعته أو يشوّه مقاصده. إن النقاء الداخلي قيمة عظيمة، لكنه يظل باطنًا ما لم يترجم إلى حسن تصرف، وصدق تعامل، ووعي بالحدود: ما ينبغي فعله، وما يُستحسن تجنبه حمايةً للنفس وللآخرين.
غير أن هذا الحرص لا يعني أن تجعل حياتك رهينةً لرضا الناس، أو أن تقيس قيمتك بما يُقال عنك؛ فمهما بلغت من الاستقامة، ستظل أمام اختلاف التفسيرات وتباين الأحكام. فمَن ينظر إليك بعين الثقة يلتمس لك العذر، أما مَن استقر الشك في داخله فسيبحث عن تفسير يؤيد ظنونه، حتى لو خالف ذلك حقيقة الموقف.
لذلك، كن واضحًا في علاقاتك، ثابتًا على مبادئك، واجعل أفعالك منسجمة مع أقوالك، وتجنّب مواطن الشبهة بقدر ما تسمح به كرامتك وحريتك. وإذا أُسيء فهمك، فوضّح موقفك حين يكون التوضيح مجديًا، ولا تستنزف نفسك في تبرير لا ينتهي أمام مَن لا يريد أن يفهم؛ فالحوار وسيلة لكشف الحقيقة، لا معركة لإثبات براءتك أمام الجميع.
وهنا يتجلى الفرق الجوهري بين مَن يعيش وفق ضميره ومَن يعيش تحت سلطة ظنون الآخرين، فالأول يُراجع نفسه باستمرار ليصحح أخطاءه، والثاني يراقب نظرات الناس فيفقد عفويته وطمأنينته. فالأجدر بالإنسان أن يحاسب نفسه بصدق، ويصحح ما يستحق التصحيح، ثم يمضي واثقًا من مبادئه، من غير غرور يمنعه من النقد، ولا خوف مفرط يُشلّ قراراته.
ارفع نفسك فوق الشبهات، لا لأنك تخشى كلام الناس، بل لأنك تدرك قيمة نفسك ومسؤولية أفعالك أمام ضميرك؛ فاجعل نقاء سريرتك أساسًا، وحكمة تصرفك سياجًا، واستقامة أخلاقك شاهدًا عليك. وعندئذٍ لن يكون همّك أن تُرضي كل عين تنظر إليك، بل أن تحافظ على حقيقة تستحق الاحترام، حتى إن عجز البعض عن رؤيتها كما هي.



