حين يتعب القلب

حين يتعب القلب
كتب :راهي الحاتم
يأتي وقتٌ على الإنسان يعجز فيه عن شرح ما يشعر به، لا لأنه لا يجد الكلمات، بل لأن ما في داخله أكبر من أن تختصره الكلمات. لا يعود يرغب في عتاب أحد، ولا ينتظر سؤالًا من أحد، ولا يبحث عن مواساةٍ عابرة؛ كل ما يريده أن يبتعد قليلًا عن ضجيج الحياة، ليصغي إلى نفسه التي طالما انشغلت بإرضاء الآخرين.
في تلك اللحظات، يصبح الصمت ملاذًا، والوحدة مساحةً يستعيد فيها الإنسان شيئًا من توازنه، ويحاول أن يرتّب فوضى قلبه بعيدًا عن أعين الآخرين. ليس لأنه فقد محبته للناس، ولا لأن قلبه أصبح قاسيًا، بل لأنه تعب من حمل أوجاعه بصمت، ومن التظاهر بالقوة حين كان في أمسّ الحاجة إلى من يطمئنه بأن ليس عليه أن يكون قويًا طوال الوقت.
ومع مرور الأيام، يدرك أن بعض الأوجاع لا تحتاج إلى كثرة الكلام، بل إلى قلبٍ يفهم دون أن يسأل كثيرًا، وإلى روحٍ تشعر بما وراء الصمت، وإلى الله الذي يعلم خفايا النفوس، ويسمع أنين القلوب حين تعجز الشفاه عن البوح.
فليس كل ابتعادٍ جفاءً، وليس كل صمتٍ برودًا، وليس كل من اختار الوحدة قد كره الحياة. أحيانًا يكون الابتعاد محاولةً لإنقاذ ما تبقّى فينا من طمأنينة، وتكون العزلة استراحةً لقلبٍ أرهقته الخيبات وكثرة الانتظار.
نحن لا نحتاج دائمًا إلى تغيير العالم من حولنا، بل نحتاج أحيانًا إلى لحظة هدوء، وإلى شيءٍ من الرحمة بأنفسنا، وإلى يقينٍ يعيد إلينا القدرة على النهوض.
فحين يتعب القلب، لا تُثقله بالعتاب، ولا تجبره على الكلام؛ امنحه بعض السكينة، ودعه يستريح. فربما لا يحتاج إلى حياةٍ جديدة، بل إلى أن يعود إلى الحياة بقلبٍ أقلّ وجعًا، وروحٍ أكثر سلامًا.



