من الردع العسكري إلى إعادة تشكيل النظام السياسي والأمني في غرب آسيا
قائد الثورة الإيرانية السيد مجتبى علي الخامنئي يرسم ملامح الاستراتيجية الإيرانية الجديدة
كتب سعيد فارس السعيد
تكشف التوجيهات الاستراتيجية التي أعلنها قائد الثورة الإسلامية في إيران، السيد مجتبى علي الخامنئي، عن ملامح مرحلة جديدة في التفكير الاستراتيجي الإيراني، لا تقتصر على تطوير القدرات العسكرية والدفاعية، بل تتجاوز ذلك إلى طرح رؤية أوسع لمستقبل التوازنات السياسية والأمنية في منطقة غرب آسيا.
ويمكن قراءة هذه التوجهات من خلال ثلاثة محاور أساسية:
أولاً: الرد الفوري والفاعل دون قيود جغرافية
تؤكد التوجيهات الإيرانية أن أي تهديد، مهما كان مستواه أو طبيعته، ينبغي أن يقابَل برد فوري وفاعل، دون التقيد بحدود جغرافية محددة.
وهذا يعني، في القراءة الاستراتيجية، أن طهران تسعى إلى توسيع مفهوم الردع، بحيث لا يبقى محصوراً في الدفاع عن الأراضي الإيرانية، وإنما يرتبط بحسابات أوسع تشمل المصالح والأصول المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة.
ويعكس هذا التوجه انتقالاً في الخطاب العسكري الإيراني من مفهوم الرد على الاعتداء بعد وقوعه، إلى محاولة بناء معادلة ردع تجعل الخصم يأخذ في الحسبان مسبقاً اتساع نطاق المواجهة وتعدد ساحاتها.
ثانياً: إيران تريد أن تكون شريكاً أساسياً في تحديد نهاية المواجهة
من أبرز ما تضمنته تصريحات الخامنئي تأكيده أن القوات المسلحة الإيرانية والشعب الإيراني هما من سيحددان توقيت وشروط انتهاء الهجمات، إذا استأنف الخصوم اعتداءاتهم العسكرية.
وهنا ينبغي التمييز بين الموقف المعلن وبين نتائجه العملية؛ فالتصريح لا يعني بالضرورة أن إيران وحلفاءها يمتلكون وحدهم قرار إنهاء أي حرب، لكنه يعكس رفض طهران أن تكون شروط توقف المواجهة مفروضة عليها من الطرف الآخر.
كما يحمل هذا الموقف رسالة سياسية وتفاوضية مفادها أن أي تسوية مستقبلية، من المنظور الإيراني، ينبغي أن تأخذ في الاعتبار المصالح الأمنية والسيادية الإيرانية، وألا تقتصر على وقف العمليات العسكرية بصورة مؤقتة.
ثالثاً: وحدة الساحات وإعادة تشكيل النظام السياسي والأمني في غرب آسيا
هذا المحور هو الأوسع دلالة في التوجيهات الجديدة.
فقد وضع الخامنئي وحدة الساحات والقدرات العملياتية في إطار العامل المؤثر في رسم ملامح النظام السياسي والأمني الجديد في غرب آسيا، معتبراً أن هذا النظام يمكن أن يشكل أرضية لتعزيز وحدة شعوب الدول الإسلامية وحكوماتها، وصولاً إلى تأسيس ما وصفه بالحضارة الإسلامية الجديدة.
وهذا يضع مفهوم وحدة الساحات في إطار يتجاوز التنسيق العسكري والأمني بين القوى الحليفة لإيران، إلى تصور سياسي واستراتيجي أشمل يتصل بمستقبل العلاقات الإقليمية، وموازين القوى، وطبيعة النظام الأمني الذي تتطلع طهران إلى قيامه.
لكن ترجمة هذا التصور إلى واقع سياسي مستقر تبقى مرتبطة بمدى قدرة الأطراف المعنية على بناء تفاهمات بين الدول، واحترام سيادتها، ومعالجة اختلاف مصالحها، وتجنب تحويل تعدد الساحات إلى مصدر دائم للصراعات.
قراءة استراتيجية: ما الذي يتغير؟
يمكن استخلاص ثلاثة تحولات أساسية من هذه التوجهات:
توسيع مفهوم الردع الإيراني من الدفاع الجغرافي المباشر إلى نطاق إقليمي أوسع.
ربط أي تسوية مستقبلية بحسابات السيادة والأمن والمصالح الإيرانية.
الانتقال بمفهوم وحدة الساحات من إطار التعاون العملياتي إلى طرح مشروع سياسي وأمني إقليمي أوسع.
وفي المقابل، تطرح هذه الاستراتيجية أسئلة مهمة حول موقف دول المنطقة، وحدود التوافق بين الحكومات والقوى الحليفة، ومدى إمكانية التوفيق بين مشروع الأمن الإقليمي ومبدأ سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها.
خاتمة القول:
إن أهمية التوجهات الاستراتيجية الجديدة لا تكمن فقط في ما تحمله من رسائل عسكرية إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، بل في أنها تكشف عن محاولة إيرانية لربط معادلة الردع العسكري بتصور سياسي طويل الأمد لمستقبل المنطقة.
غير أن نجاح أي مشروع لنظام إقليمي جديد لا يُقاس بقدرته على توسيع ساحات المواجهة، وإنما بقدرته على توفير الأمن والاستقرار، واحترام استقلال الدول، وتحقيق مصالح شعوبها، ومنع الحروب المتكررة.
فالحضارة لا تُبنى بالقوة العسكرية وحدها، ولا تتحقق وحدة الشعوب والحكومات بمجرد وحدة المواقف في مواجهة الخصوم، بل تحتاج إلى العدالة والتكافؤ والتعاون والاحترام المتبادل.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كانت هذه التوجهات ستتحول إلى معادلة ردع إقليمية جديدة، أم ستفتح الباب أمام مزيد من التعقيدات والمواجهات في غرب آسيا.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل
متخصص بقضايا الأمن الاجتماعي والوطني
«صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد وليس من تحت الركام»



