كتابنا

الزيدي .. يفتح أبواب الاستثمار في العراق على مصراعيها ..

الزيدي .. يفتح أبواب الاستثمار في العراق على مصراعيها ..

كتب✒️:أياد السماوي

يمتلك العراق من الثروات الطبيعية والبشرية والمقومات الاقتصادية ما يؤهله لأن يكون واحداً من أهم المراكز الاستثمارية في المنطقة ، غير أنّ هذه الإمكانات ظلت لسنوات طويلة أسيرة البيروقراطية وتعقيدات الإجراءات وضعف البيئة الاستثمارية ، فضلاً عن الفساد الذي حوّل كثيراً من الفرص الواعدة إلى مشاريع مؤجلة أو معطّلة .. واليوم تبرز الحاجة إلى مرحلة اقتصادية جديدة يكون فيها الاستثمار مدخلاً حقيقياً لإعادة بناء الاقتصاد العراقي ، وتنويع مصادر الدخل ، وتقليل الاعتماد على النفط ..
إنّ فتح أبواب الاستثمار لا يعني مجرد دعوة الشركات ورؤوس الأموال إلى دخول العراق ، بل يعني بناء منظومة اقتصادية متكاملة تمنح المستثمر الثقة ، وتوفر له الضمانات ، وتختصر أمامه الطريق من الفكرة إلى المشروع ، ومن الترخيص إلى الإنتاج . وهذا يتطلب إرادة حكومية واضحة لإزالة العقبات ، وتحديث التشريعات ، وتفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص ، والانتقال من اقتصاد تهيمن عليه الدولة إلى اقتصاد يتيح للقطاع الخاص أن يؤدي دوره في التنمية والإنتاج ..
وفي هذا السياق ، تكتسب التوجهات الحكومية في عهد رئيس الوزراء علي الزيدي أهمية خاصة ، إذا ما تُرجمت إلى إجراءات عملية تضع الاستثمار في مقدمة أولويات البرنامج الاقتصادي ، وتتعامل معه بوصفه خياراً استراتيجياً لبناء اقتصاد منتج ، لا مجرد نشاط اقتصادي ثانوي .
وقد انعكس هذا التوجه في تحركات حكومية تستحق التوقف عندها ، ففي 20 آب 2026 ، زار رئيس الوزراء الهيئة الوطنية للاستثمار ، واطّلع على خططها ومشاريعها ، ووجّه بتسريع تحويل الفرص الاستثمارية إلى مشاريع حقيقية ، مع التركيز على مشروع طريق التنمية والمدن الصناعية المرتبطة به ، فضلاً عن دعم الاستثمار الزراعي وتوفير الأراضي اللازمة له . كما شدّد على بناء شراكات طويلة الأمد مع الشركات الأجنبية .. 
وفي 10 أيلول 2026 ، أعلن رئيس الوزراء مشروع المدن الاستثمارية ، الذي يتضمن إنشاء خمس عشرة مدينة استثمارية في المحافظات ، بمساحات لا تقل عن عشرة آلاف دونم لكل مدينة ، مع توفير تسهيلات مصرفية وتمويل البنى التحتية ومعالجة المعوقات القانونية والفنية التي تعترض المشاريع الاستثمارية المتعثرة ، وهذه خطوات تفتح مجالاً واسعاً أمام الاستثمار في قطاعات الإسكان والصناعة والتجارة والخدمات .. 
وهنا تبرز أهمية الدور الذي تضطلع به الهيئة الوطنية للاستثمار برئاسة السيد عادل الياسري ، باعتبارها إحدى المؤسسات المحورية في قيادة هذا التحول .. فنجاح الاستثمار لا يتحقق بإعلان الفرص وحده ، وإنما بمتابعة تنفيذها ، وتنسيق عمل الوزارات والمحافظات ، وتذليل العقبات أمام المستثمرين ، ومنع تحول الإجازات الاستثمارية إلى أوراق معلّقة في دوائر الدولة ..
ومن المهم أن تتحول الهيئة إلى نافذة حقيقية وفاعلة للمستثمر ، لا أن تكون مجرد محطة إضافية في سلسلة المراجعات ، وهي تمتلك بالفعل إدارة كفوءة ، وتمتلك منظومة النافذة الواحدة لتسهيل إجراءات منح الإجازات ومتابعة المشاريع وتنسيق الموافقات ، لكن المطلوب هو تفعيل هذه المنظومة بأقصى طاقاتها ، وتحميل الجهات المعنية مسؤولية الالتزام بالتوقيتات المحددة .. 
ولا بد هنا من التأكيد أنّ العراق يمتلك إطاراً قانونياً يتضمن ضمانات وحوافز مهمة للمستثمرين ، من بينها الإعفاءات الضريبية ، وحق تحويل الأرباح ، والحماية من التأميم والمصادرة وفق أحكام القانون .. لكن المستثمر لا يبحث عن النصوص القانونية وحدها ، إنه يريد ضمانات عملية ، واستقراراً في القرارات ، وسرعة في إنجاز المعاملات ، وحماية من الابتزاز والفساد والبيروقراطية .. 
إنّ الفرصة الاستثمارية الكبرى أمام العراق لا ينبغي أن تقتصر على قطاع الإسكان والعقارات ، على أهميته ، بل يجب أن تمتد إلى الصناعة والزراعة والسياحة والنقل والطاقة والاتصالات والصناعات النفطية والبتروكيمياوية .. فالعراق بحاجة إلى استثمارات تنتج وتصدّر وتوفر فرص العمل ، وتعيد تشغيل المصانع المعطّلة ، وتستثمر الغاز والثروات الطبيعية ، وتحوّل الموقع الجغرافي للعراق إلى ميزة اقتصادية من خلال مشروع طريق التنمية ..
كما أنّ من الضروري أن تتجه الحكومة إلى تشجيع الشراكة بين القطاعين العام والخاص ، وإعادة تأهيل الشركات العامة الخاسرة من خلال الاستثمار والإدارة الحديثة ، بدلاً من استمرار استنزاف المال العام في تمويل مؤسسات لا تحقق عائداً اقتصادياً يتناسب مع ما تنفقه الدولة عليها ..
لكن فتح أبواب الاستثمار يجب أن يقترن بإغلاق أبواب الفساد والسمسرة .. فلا يمكن بناء بيئة استثمارية جاذبة ما دام المستثمر مضطراً إلى المرور عبر الوسطاء ، أو الخضوع لابتزاز بعض المتنفذين ، أو الانتظار طويلاً للحصول على موافقة إدارية .. ومن هنا تأتي أهمية اعتماد التعامل المباشر عبر القنوات الرسمية ، وتكريس مبدأ تكافؤ الفرص ، وإخضاع جميع المشاريع لمعايير الجدوى الاقتصادية والشفافية والرقابة ..
إنّ العراق يقف أمام فرصة مهمة لإحداث تحول في بنيته الاقتصادية ، وحكومة علي الزيدي مطالبة بأن تجعل من الاستثمار أحد أعمدة مشروعها الاقتصادي ، وأن تترجم توجهاتها إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن ، وتلمسها الشركات المحلية والعربية والأجنبية ..
إن نجاح التجربة الاستثمارية في العراق لن يُقاس بعدد المؤتمرات والاتفاقيات والإجازات الممنوحة ، بل بعدد المشاريع التي دخلت حيز التنفيذ ، وحجم الإنتاج الذي تحقق ، وفرص العمل التي أُنشئت ، والإيرادات التي أضيفت إلى خزينة الدولة .. العراق لا يحتاج إلى مزيد من الحديث عن ثرواته وإمكاناته ، بقدر ما يحتاج إلى إدارة قادرة على تحويل هذه الثروات إلى مشاريع، وهذه المشاريع إلى إنتاج ، وهذا الإنتاج إلى تنمية وازدهار .
وفي عهد الزيدي توّفرت إرادة فتح أبواب العراق نحو الاستثمار ، وتوفرت معها إدارة كفوءة للاستثمار ، والعراقيون يأملون أن تكون أبواب الاستثمار قد فُتحت فعلاً على مصراعيها ، وأن تتحول هذه المرحلة إلى بداية جديدة لاقتصاد عراقي منتج ومتنوع ،، يستثمر ثرواته وطاقاته ، ويمنح الأجيال القادمة مستقبلاً أكثر أمناً وازدهاراً .. فالاستثمار ليس مجرد بوابة لدخول رؤوس الأموال ، بل هو بوابة العراق نحو التقدم والازدهار. ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى