كتابنا

حين تتقاطع العقيدة مع الوطن… من يملك حق تحديد الولاء؟

حين تتقاطع العقيدة مع الوطن… من يملك حق تحديد الولاء؟

بقلم: راهي الحاتم

أثار الجدل المرتبط بالفنانة العراقية آلاء حسين سؤالاً عميقاً يتجاوز الواقعة نفسها: هل العقيدة تأتي قبل الوطن، أم الوطن يأتي أولاً؟ ورغم أن السؤال قد يبدو تصادمياً، إلا أن العقيدة والوطن ليسا طرفين متعارضين بالضرورة؛ فالأولى منظومة قيم تربط الإنسان بمعتقداته، والثاني الإطار الجامع الذي يتسع للجميع على اختلاف انتماءاتهم.

تبدأ المشكلة عندما يتحول الاعتقاد الشخصي إلى معيار للحكم على وطنية الآخرين، أو عندما يُطلب من الدولة أن تتبنى تفسيراً واحداً للدين يمثل جميع مواطنيها. فالدولة كيان قانوني يضمن العدالة والمساواة للجميع، وليست تابعة لجهة دينية بعينها. وفي المقابل، لا يعني الانتماء للوطن التخلي عن المعتقدات، بل ممارستها ضمن حدود القانون الذي يحمي حقوق الجميع.

ويبقى السؤال الأهم: من يملك صلاحية تحديد ما تمليه المصلحة العامة عندما تتقاطع مع الواجبات العقائدية؟ هل هي السلطة السياسية، أم المرجعية الدينية، أم المؤسسات الدستورية التي تمثل الإرادة العامة؟ إن الخلط بين هذه المستويات هو ما يدفعنا لتقسيم الناس بين “وطني” و”غير وطني” بناءً على موقف واحد، متجاهلين أن الوطنية أعمق من الشعارات، وأن الانتماء للوطن لا يتنافى مع حرية المعتقد.

وفي واقعنا العراقي، يزداد هذا التعقيد بسبب التداخل التاريخي بين الدين والسياسة. ومع ذلك، تظل الحقيقة واضحة: لا أحد يملك حق احتكار الوطنية، ولا يجوز أن يُختزل الدين في رأي واحد يُفرض على الناس. فمن حق الفرد أن يعتقد ما يشاء ويعبر عنه بسلام، لكن لا يجوز أن يُلزم به غيره، كما لا يحق لأي سلطة أن تتخذ من المصلحة الوطنية ذريعةً لإسكات الاختلاف المشروع.

ما نحتاجه اليوم ليس أن نختار بين العقيدة والوطن، بل أن نرسّ قواعد واضحة تحمي فيهما معاً: فحرية المعتقد حقٌ أصيل، وسيادة القانون أساسٌ للجميع. فالوطن لا يطلب منا أن ننسى عقيدتنا، والعقيدة الصحيحة لا تدعونا لإقصاء من يشاركنا الهوية الوطنية. ولعل هذه الحادثة فرصة لنتعلم كيف نختلف بوعي، فالخلاف في الرأي لا يعني انقسام الولاء، والمجتمع القوي هو الذي يتسع لجميع أبنائه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى