مسؤولية القوى العربية والإسلامية التي اعتمدت واستقوت بالسوريين الشيعة

بين واجب الرعاية واستمرار الاحتضان ورفض الوصاية واختطاف الإرادة والتمثيل
كتب: سعيد فارس السعيد
إن من واجب ومسؤوليات القوى العربية والإسلامية التي لجأت إلى السوريين الشيعة، واعتمدت عليهم واستقوت بهم خلال الفترة الممتدة من عام 2013 وحتى عام 2024، أن تستمر في رعايتهم، وأن تتحمل مسؤولياتها الإنسانية والأخلاقية والاجتماعية تجاه المهجّرين والنازحين منهم في لبنان، وتجاه السوريين الشيعة في سورية.
فهذه المسؤولية لا ينبغي أن تقتصر على المواقف والتصريحات والتعاطف، بل يجب أن تتحول إلى رعاية حقيقية ومتكاملة، تشمل متطلبات الحياة الكريمة، من السكن والغذاء والرعاية الصحية والتعليم والعمل والحماية القانونية والاجتماعية، وصون كرامة الإنسان وحقوقه ومستقبل أبنائه.
فخلال الفترة الممتدة من عام 2013 وحتى عام 2024، تعرّضت مناطق واسعة من الوجود الشيعي في سورية لدمار وتهجير ونزوح واسع النطاق، طال، وفق التقديرات والمعطيات التي نستند إليها، نحو نصف أبناء هذه الطائفة، وألحق أضراراً جسيمة بمستقبل أجيالها من الأبناء والأحفاد.
فقد هُجّر نحو ثلث أهالي مدينة بصرى الشام في محافظة درعا، ودُمّرت منازل كثيرة لهم، كما خسر نحو نصف أهالي حطلة والصعوة في ريف دير الزور منازلهم واستقرارهم، فيما تعرّض جميع أهالي بلدتي الفوعة وكفريا للتهجير، واستُولي على منازلهم، إضافة إلى ما لحق بمعظم أهالي القرى والبلدات الشيعية في ريف حمص من تهجير وخسائر ودمار.
إن الطائفة الشيعية في سورية، التي لا يتجاوز عدد أبنائها، وفق تقديراتنا، نحو 350 ألف نسمة، تُعدّ من المكونات السورية التي تكبّدت خسائر بشرية ومادية واجتماعية جسيمة.
ولم تقتصر خسائرها على آلاف القتلى والجرحى والمعاقين، أو فقدان المنازل والأرزاق، بل امتدت إلى تعطيل تعليم أبنائها، وحرمان كثيرين منهم من فرص العمل، وتبديد فرصهم في بناء مستقبل مستقر، بما يهدد أجيالاً كاملة بتداعيات النزوح والفقر والتهميش.
أولاً: مسؤولية القوى التي لجأت إلى السوريين الشيعة خلال سنوات الحرب
تتحمل جميع القوى العربية والإسلامية التي لجأت إلى السوريين الشيعة واحتضنتهم، ووفّرت لهم الحماية والمساندة خلال الفترة الممتدة من عام 2013 وحتى عام 2024، مسؤولية إنسانية وأخلاقية تستوجب استمرار احتضان هؤلاء الناس ورعايتهم، وعدم التخلي عنهم بعد سنوات من الاعتماد عليهم والاستقواء بهم والاستفادة من وجودهم ومواقفهم خلال سنوات الحرب.
فليس من المقبول أن يتحول رجال ونساء وأطفال وعائلات، كانوا أعزاء في مجتمعاتهم وأصحاب بيوت وأرزاق وكرامة، إلى أشخاص يبحثون عن المساعدة ويتنقلون بين أبواب الجهات والجمعيات، ويُتركون من دون رعاية أو اهتمام أو أبسط مقومات الحياة الكريمة.
إن احتضان الناس ليس موقفاً سياسياً مؤقتاً، ولا مسؤولية تنتهي بانتهاء الظروف التي استدعت ذلك الاحتضان، بل هو التزام إنساني وأخلاقي يستمر ما دامت آثاره وتبعاته قائمة.
أما الاعتماد على هؤلاء الناس والاستقواء بهم في مرحلة ما، ثم التخلي عنهم وعن عائلاتهم وأبنائهم ونسائهم في مرحلة أخرى، وتركهم عرضة للفقر والتشرد والحاجة، فهذه قضية لا يجوز السكوت عنها أو تجاهلها.
ثانياً: الزعامة الدينية المفروضة… إساءة إلى الطائفة وإلى القوى التي فرضتها
إن الزعامة الدينية التي فرضتها بعض القوى العربية والإسلامية على الطائفة الشيعية في سورية، منذ بدايات عام 2013 وحتى اليوم، لم تكن موضع إجماع أو قبول من مختلف أبناء الطائفة وفعالياتها الاجتماعية والفكرية والسياسية الوطنية.
بل إن نتائج هذه التجربة ألحقت أضراراً بالغة بالطائفة نفسها، وبعلاقاتها الداخلية، وباستقلالية قرارها الاجتماعي والوطني، كما أساءت إلى صورة القوى التي دعمت تلك الزعامات وفرضتها، وإلى مصداقيتها أمام قطاعات واسعة من أبناء المجتمع السوري الشيعي.
فلا يجوز اختزال طائفة بكاملها في شخصيات أو مرجعيات جرى تقديمها بوصفها ممثلاً وحيداً لها، ولا يجوز مصادرة حق أبنائها وفعالياتها الوطنية والفكرية والاجتماعية في اختيار من يعبّر عنهم ويمثل مصالحهم.
إن احترام المرجعيات والشخصيات الدينية لا يعني منحها حق احتكار التمثيل الاجتماعي والسياسي، كما أن الدعم الخارجي لا يمنح الجهات الداعمة حق فرض زعامات أو مصادرة إرادة الناس.
والأكثر أهمية أن مسؤولية القوى التي مارست هذا الدور لا تقتصر على مراجعة أخطاء الماضي، بل تقتضي تصحيح المسار، واحترام إرادة أبناء الطائفة، ودعم حقهم في بناء مؤسساتهم وأطرهم الأهلية المستقلة، بعيداً عن الوصاية والاحتكار والتبعية.
ثالثاً: بين التخلي عن الناس وفرض الوصاية عليهم واختطاف إرادتهم
والمؤلم والمدهش والمستغرب فوق كل ذلك، أن بعض القوى التي اعتمدت على الشيعة في سورية واستقوت بهم، وجعلت منهم رأس حربة ورؤوساً لحرابها خلال سنوات الحرب، عادت لتتعامل معهم بمنطق الوصاية على إرادتهم ومستقبلهم.
فبدلاً من أن تستمر في احتضانهم ومساعدتهم على النهوض واستعادة حياتهم، نجد أن بعض هذه القوى تمارس نفوذها عليهم، وتسعى إلى فرض زعامة وتمثيل عليهم، مستغلة حاجة السوريين الشيعة إلى المساعدة، والظروف المعيشية والإنسانية الصعبة التي يمرون بها.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة:
لا تُترك هذه العائلات لتواجه مصيرها بكرامة واستقلال، ولا تُمنح في الوقت نفسه الفرصة لتشكيل قوة اجتماعية وأهلية مستقلة، تستطيع أن تجمع ما تبقى من أبنائها، وتعيد ترتيب شؤونها، وتضمّد جراحها وآلامها، وتدافع عن حقوقها بعيداً عن الوصاية والتبعية.
إن استمرار فرض النفوذ والزعامة على الناس، وإعادة اختطاف إرادتهم وقرارهم الاجتماعي، لا يساعدهم على التعافي، بل يضعف قدرتهم على النهوض واستعادة المبادرة، ويُبقيهم أسرى الحاجة والانتظار.
وإذا كانت تلك القوى تصرّ على فرض الزعامة والتمثيل على السوريين الشيعة، فلماذا لا تؤدي واجباتها ومسؤولياتها تجاه حياتهم وأمنهم وكرامتهم واستقرارهم، من خلال الرعاية الحقيقية والمتكاملة لهم ولأبنائهم وأطفالهم ونسائهم؟
وبكل الأحوال، فإن مساعدة السوريين الشيعة لا تعني امتلاك قرارهم،
واحتضانهم لا يعني احتكار تمثيلهم،
والوقوف إلى جانبهم لا يمنح أحداً حق الوصاية عليهم أو مصادرة إرادتهم.
من حق السوريين الشيعة أن يشكّلوا إطاراً أهلياً واجتماعياً مستقلاً، يعبّر عن احتياجاتهم، ويتابع قضاياهم، ويحمي حقوقهم وكرامتهم، ويتعاون مع جميع الجهات الراغبة في مساعدتهم، من دون أن يكون تابعاً لأي حزب أو قوة سياسية أو جهة خارجية.
إن المطلوب ليس زعامة مفروضة، بل رعاية حقيقية.
وليس وصاية على الناس، بل تمكينهم من استعادة قدرتهم على إدارة شؤونهم وتقرير أولوياتهم بأنفسهم.
رابعاً: الانتقال من التعاطف إلى المسؤولية والعمل
إن حجم هذه المأساة يفرض الانتقال من مرحلة التعاطف إلى مرحلة تحمّل المسؤولية، ووضع خطة عملية واضحة لرعاية المتضررين، ومتابعة أوضاع المهجّرين والنازحين، وتأمين احتياجاتهم الأساسية، والعمل على استعادة حقوقهم وممتلكاتهم، وحماية حق أبنائهم في التعليم والحياة والعمل الكريم.
كما تقتضي المسؤولية إنشاء آليات متابعة وتنسيق بين القوى والجهات المعنية، تضمن وصول الرعاية إلى مستحقيها بعيداً عن المحسوبيات والولاءات السياسية والتنظيمية، وبما يصون كرامة الأسر ويحفظ حقوقها.
ونؤكد هنا أن العمل الأهلي المستقل ليس عملاً عدائياً تجاه أي جهة، ولا يستهدف إقصاء أحد أو مصادرة دور أحد، بل هو حق طبيعي للناس في تنظيم شؤونهم، وتحديد احتياجاتهم، والدفاع عن حقوقهم، والتعاون مع كل من يريد مساعدتهم بصدق واحترام.
فليس من المقبول أن تُترك عائلات مهجّرة تواجه مصيرها وحدها، فيما تتعدد القوى والجهات التي تملك القدرة على المساعدة والتأثير.
إن كرامة الإنسان وحقه في الحياة الكريمة لا ينبغي أن يكونا موضع مساومة أو خاضعين للحسابات السياسية والتنظيمية.
والرعاية الحقيقية لا تُقاس بعدد البيانات والخطابات، بل بما يتحقق على الأرض من حماية للناس، وتخفيف لمعاناتهم، وصيانة لحقوقهم ومستقبل أبنائهم.
ولأن كرامة هؤلاء الناس ليست مجالاً للمساومة أو الصمت، فإن ما جرى وما يجري، وما يحيط بأوضاعهم من إهمال أو تخلي أو غياب للرعاية، سيكون موضع توضيح ومتابعة، وسنعمل على وضع تفاصيل هذه القضية أمام الرأي العام العربي والإسلامي، بالوقائع والمعطيات، وبما يحفظ كرامة المتضررين وحقوقهم.
خاتمة القول
إن المسؤولية اليوم مسؤولية الجميع، والتاريخ لن يحاسب القيادات والقوى على ما أعلنته من مواقف فحسب، بل على ما فعلته لحماية الإنسان وصون كرامته عندما كان في أمسّ الحاجة إليها.
فمن لجأ واستقوى واحتضن الناس في زمن الشدة، تقع عليه مسؤولية أخلاقية وإنسانية في ألا يتخلى عنهم بعد زوال الشدة، ومن اعتمد عليهم واستقوى بهم واستفاد من تضحياتهم ومواقفهم، لا يجوز أن يتركهم وحدهم في مواجهة الفقر والتشرد وضياع المستقبل.
إن السوريين الشيعة ليسوا أرقاماً في حسابات السياسة، ولا قوة يُستفاد منها وقت الحاجة ثم تُترك لمواجهة مصيرها، وليسوا جماعة تُختطف إرادتها أو تُفرض عليها زعامات بحجة رعايتها ومساعدتها.
إنهم بشر لهم كرامتهم وحقوقهم وأسرهم وأطفالهم ومستقبلهم، ومن حقهم أن يعيشوا بكرامة، وأن يستعيدوا قدرتهم على النهوض، وأن يختاروا من يمثلهم، وأن ينظموا شؤونهم بإرادتهم الحرة والمستقلة.
لا للتخلي عنهم، ولا لاستغلال حاجتهم، ولا لفرض الوصاية عليهم، ولا لاختطاف إرادتهم.
نريد رعاية حقيقية، واحتضاناً مستمراً، وعملاً أهلياً مستقلاً، يحفظ كرامة الإنسان ويعيد الأمل إلى الأجيال التي دفعت أثماناً باهظة خلال سنوات الحرب.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل
متخصص بقضايا الأمن الاجتماعي والوطني
«صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد وليس من تحت الركام»



