كتابنا

العالم يزداد انقساماً: «التحالف على القطعة» يستنفد صلاحيته؟

العالم يزداد انقساماً: «التحالف على القطعة» يستنفد صلاحيته؟

العالم يزداد انقساماً: «التحالف على القطعة» يستنفد صلاحيته؟

كتب :حسين إبراهيم
الأربعاء 28 آب 2024

العصر-عاد العالم أو يكاد يعود إلى أن يكون منقسماً بين تحالفين، وإن كان التحالف الذي تقوده أميركا، تنطبق عليه تلك التسمية أكثر من خصومها الذين يبدو أنهم لا يزالون يفضّلون أن يكون التحالف بينهم، على الموضوع. كان على الدوام ثمّة من يعارضون هيمنة أميركا والغرب على العالم، ولكن لم ينجح هؤلاء مرة في إقامة تحالف يحمل مشروعاً قابلاً للحياة. ومنذ أن أصبحت الولايات المتحدة قطب العالم الأوحد في مطلع تسعينيات القرن الماضي حتى اليوم، لم يكن بالإمكان إنشاء تحالفات كبرى ضدها؛ فاغتنمت هي الفرصة لتعزيز سيطرتها على العالم، فيما عينها ظلّت على العالم الإسلامي، الحليف السابق ضد السوفيات، لتبدأ محاولاتها العملية لإحكام السيطرة عليه، أولاً بعد احتلال صدام حسين الكويت ومهاجمته وطرده منها والانتشار في الخليج، ثم حينما طردت الإسلام السياسي بنسخته الجهادية من التحالف الذي كان قائماً بينها وبينه في زمن الجهاد ضد السوفيات في أفغانستان. كانت ثمة حاجة أميركية إلى التخلّص من أداة استنفدت غرضها وصارت عبئاً، بحيث إن شراكتها في الانتصار في الحرب الباردة يمكن أن تهدّد النموذج الأميركي للنظام العالمي الذي انبثق من الحرب العالمية الثانية، أو ما سمّي بالعالم الحرّ. حينها، كانت أميركا من السيطرة إلى الحدّ الذي مكّنها من إطلاق شعار من نوع: «من ليس معنا فهو ضدنا»، أي أنه سيأتي عليه الدور.
11 أيلول نفسه حصل نتيجة ظروف أوجدتها أميركا من خلال الهيمنة والإقصاء، عندما رفضت أن تعطي الإسلاميين الذين تولّوا الجزء الساخن من الحرب الباردة حصتهم من الغنيمة، وهي إقامة الدولة الإسلامية، فانتقلوا إلى ضفة العداء لها. لكن إذا لم يستطع أحد في العالم الوقوف في وجهها يومها، فإن كثراً احتفظوا بمعارضتهم للهيمنة.
في 7 أكتوبر اختلف الأمر كلياً. هنا، بالنسبة إلى أميركا يتعلّق الأمر بعدوّ منذ البداية، أي أنه لم يكن حليفاً وصار عدواً. لكن هنا أيضاً، أدى رفض إسرائيل المدعومة دعماً مطلقاً من الولايات المتحدة إعطاء الفلسطينيين أدنى حقوقهم، إلى الحدث الكبير. وعلى رغم محاولات إسرائيل والغرب إقامة تشبيه بين 7 أكتوبر و11 أيلول، إلا أن العالم ينظر إلى كل منهما نظرة مختلفة. وبعد الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة، صار ثمة تأييد عالمي عارم للقضية الفلسطينية.
وبالعودة إلى الانقسام العالمي الراهن، تخوض أميركا بالتوازي حربين: واحدة تدافع فيها عن هيمنتها على الشرق الأوسط، وثانية على أوروبا. وكلّما تقدم الوقت في الحربين، يصبح الترابط بينهما أكبر: الهزيمة هنا تنعكس هناك، والنصر هنا قد يُترجم هناك. وبين الحربين، ثمة أحداث عالمية أخرى أقل صخباً واشتعالاً الآن، إلا أنها يمكن أن تتحوّل إلى ساخنة متى واجهت أميركا تهديداً لهيمنتها في أي منطقة من العالم. ولذلك، تحاول الولايات المتحدة والغرب وحليفتهما إسرائيل جمع «الأشرار» كلهم في سلة واحدة.
في المقابل، فإن التورّط الأميركي في غزة، وعلى جبهات المساندة، جاء بمثابة هدية من السماء لروسيا في حربها مع أوكرانيا، وللصين في تنافسها مع الولايات المتحدة على امتداد العالم. بالنسبة إلى أميركا وحلفائها، «الأشرار» الأكثر تجسيداً للتهديد حالياً هم روسيا وإيران وكوريا الشمالية. والأخيرة عدو مطلق قادر على إلحاق ضرر جسيم بمصالح حيوية أميركية، مع خيارات قليلة لواشنطن في مواجهتها، سوى الحصار. ولم يكن من قبيل الصدفة أن يركّز الإعلام الإسرائيلي على دور كوريا الشمالية في توريد السلاح إلى أعدائها، ولا سيما الصواريخ المضادة للدروع وغيرها، وفي حفر الأنفاق، في غزة ولبنان. وإذا كان ذلك كله صحيحاً، فسيكون لبيونغ يانغ دور حاسم في هزيمة إسرائيل الحتمية في هذه الحرب.
لكن التحالف الذي تتحدّث عنه أميركا وإسرائيل ليس تحالفاً متماسكاً وفق ما تحاول أن توحي به. وهي إذ تحيّد الصين عن ذلك التحالف بنسبة معينة، فإن الأخيرة أيضاً تحيّد نفسها بنسبة معينة، في حين أن روسيا ما زالت تنخرط في هذا التحالف بصورة نسبية وانتقائية، على رغم حاجتها الماسّة إلى طرفَيه الآخرين. وعلى رغم كل ما تقدم، ثمة خطوتان يمكن التعويل عليهما، الأولى زيارة فلاديمير بوتين لكوريا الشمالية الشهر الجاري، والثانية زيارة رئيس مجلس الأمن القومي الروسي، سيرغي شويغو، لطهران في الشهر نفسه، والهدف من الزيارتين هو تعزيز التحالف وتبادل السلاح. لن يصل التحالف المذكور إلى أن يصير عضوياً على غرار ذلك القائم بين أميركا وإسرائيل في غزة، وبين دول الغرب في أوكرانيا، لأنه ببساطة تحالف دفاعي وليس قائماً على مشروع متكامل. وهذا يعني أنه حتى أطرافه ما زالوا يقبلون بالعيش تحت سقف المشروع الأميركي والغربي، ولكن مع شروط محسّنة بالنسبة إليها.
ولكن على رغم استمرار نأي إسرائيل بنفسها عن حرب أوكرانيا، وابتعاد روسيا بالقدر نفسه عن حرب غزة، إلا أن الترابط المتزايد بين الجبهتين، من زاوية مزاوجة أميركا بينهما، يجعل من الصعب عليهما الحفاظ على علاقاتهما. وكلما تفاقمت الحربان، ازداد ذلك صعوبة. وكلما اقتربنا من أن يصبح العالم منقسماً بين فريقين أو تحالفين. مثلاً، لن يكون ممكناً لروسيا أن تأخذ طوال الوقت سلاحاً ودعماً من إيران لاستخدامهما في أوكرانيا، من دون أن تعطيها في المقابل سلاحاً ودعماً ضد إسرائيل. وحتى الصين سيضغط عليها تفاقم الأوضاع للاقتراب أكثر من طرف على حساب آخر، في حين أن كوريا الشمالية تستفيد من تكاثر أعداء الولايات المتحدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى