ادبية

الإسلام ليس مجاني.. بل هو اختبار يكشف المعدن

الإسلام ليس مجاني.. بل هو اختبار يكشف المعدن

كتب ✍️ :راهي الحاتم
هناك من يتوهم أن الانتماء للإسلام يعني أن يكون التدين بلا كلفة، والدخول فيه بلا ثمن ولا مقابل؛ وهو ما يمكن تسميته بـ «الإسلام المجاني»: حيث يختار المرء من الأحكام ما يلائم مزاجه ونفسيته، ويتجنب ما يراه ثقيلاً أو مكلفاً، فلا يشعر بتناقض ولا انفصام، هو مسلم بالادعاء، وراضٍ بميوله في الوقت ذاته. يناصر القضايا السهلة، ويأخذ بالأحكام الميسرة، ومتى ما استشعر وجود تكلفة أو مواجهة، انسحب وتنحى؛ فلا يدافع عن حق إلا إذا كان النصر مضموناً، ولا يلتزم بواجب إلا إذا لم يقتضِ منه تضحية أو بذلاً.
وكلما واجهه حكم يقتضي صبراً أو مجاهدة، حاول التهرب منه بأي وسيلة: تارة بالتحايل على النصوص، وتارة بالهجوم على الداعين إليها، مع حرص دائم على الابتعاد عما يُكلفه شيئاً؛ فهو يريد إسلاماً وردياً ناعماً، لا حرارة فيه ولا تضحية.

ولكن هل يعقل في منطق أو حكمة أن يُعطى الدين الحق والجنة هكذا بلا امتحان؟ لقد جاء السؤال الاستنكاري في مطلع سورة العنكبوت ليصحح هذا الوهم، ويقول الله تعالى:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
إنه استفهام ينكر هذا الظن المستغرب: هل يتصور عاقل أن مجرد قول «آمنت» يكفي ليُترك الإنسان وشأنه، دون أن يُختبر، ودون أن تتبين حقيقة ما يكنه قلبه؟ ثم يتوقع بعد ذلك أن يدخل الجنة بلا جهد ولا ثمن؟ بأي معيار؟ وأي حكمة؟
إنه أشبه بمن يظن أنه ينال الشهادة الجامعية وهو جالس في بيته، لم يدرس ولم يمتحن؛ فلا فرق بين الأمرين في البديهة والمنطق السليم. فكيف يمكن أن يتمايز الصادق من الكاذب، والمخلص من المدعي، إذا تساوى الجميع في القول، وغاب الابتلاء والتمييز؟
لهذا استخدم القرآن الكريم كلمة «الفتنة»، وهي مشتقة أصلاً من طريقة اختبار المعادن النفيسة؛ فعندما تريد التأكد من أصالة الذهب، تُعرضه للنار الشديدة: فإن كان مزيفاً اسودّ وتبين زيفه، وإن كان أصلياً نقياً ازداد بريقاً وصفاءً. وهكذا الابتلاءات في حياتنا هي «نار» تكشف المعادن، وتُظهر ما كانت تخفيه النفوس من صدق أو نفاق.
وأكد الله سبحانه وتعالى هذه السنة الإلهية في آية أخرى فقال:
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾
وذكّرنا أن هذا المسار لم يكن استثناءً لنا، بل هو شأن كل من سبقنا من الأمم:
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾
والله سبحانه وتعالى يعلم الغيب، ويعلم الصادق من الكاذب قبل وجوده، ولكنه أراد أن تُقام الحجة على النفس، وأن يكشف الإنسان حقيقة نفسه بنفسه؛ حتى تُقام الشهادة يوم القيامة من الألسنة والأيدي والأرجل، اعترافاً صريحاً بما أظهره الاختبار في الدنيا.
فالإسلام ليس قولاً بلا فعل، ولا انتماءً بلا ثمن، والجنة ليست مكافأة مجانية لمن نطق بكلمة، بل هي جزاء من صدق إيمانه، وصبر على تكاليف دينه، وثبت حين كلفه الأمر أغلى ما يملك.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى