ادبية

 من الذي نحرسه داخلنا؟هل هي اصناما حديثة؟

 من الذي نحرسه داخلنا؟هل هي اصناما حديثة؟

كتب ✍️ :راهي الحاتم
ليس كل صنمٍ تمثالًا يُنصب أمام العين، فبعض الأصنام لا تُرى، لأنها تُنصب في العقل والقلب والوعي.
قد يكون الصنم فكرةً نؤمن بها، أو شخصيةً نرفعها فوق النقد، أو حزبًا نبرر له كل شيء، أو جماعةً نمنحها حصانةً أخلاقية، أو حتى موقفًا اتخذناه ذات يوم ثم أصبح التراجع عنه بالنسبة إلينا هزيمةً واعترافًا بالخطأ.
وهنا تبدأ المشكلة.
فالإنسان لا يصبح متعصبًا عندما يؤمن بفكرة، وإنما عندما يمنح فكرته حقًا في مصادرة عقله. ولا يصبح تابعًا عندما يحترم شخصًا، بل عندما يجعل من ذلك الشخص معيارًا للحقيقة، فيصبح ما يقوله صوابًا لمجرد أنه قاله، وما يقوله خصومه خطأً لمجرد أنهم خصومه.
عندها لا تعود الحقيقة هي المقدسة، بل يصبح الصنم الذي اخترعناه لأنفسنا هو المقدس.
ولذلك قد ترى إنسانًا يغفر لمن يحب أخطاءً لا يغفر مثلها لغيره، ويبحث عن ألف تبرير لسقوط من ينتمي إليه، بينما يحول الخطأ نفسه عند خصمه إلى جريمة وخيانة وانحراف.
إنها الازدواجية التي تجعل الإنسان لا يدافع عن الحقيقة، بل يدافع عن انتمائه إليها كما يتخيله.
والسؤال الأصعب ليس: من هو صنمك؟
بل: هل تستطيع أن تسمح له بأن يُنتقد؟
هل تستطيع أن تسمع نقد من تحب دون أن تعتبره إساءة؟
هل تستطيع أن تكتشف أن من وثقت به أخطأ دون أن تنهار صورتك عنه؟
هل تستطيع أن تقول: كنت مخطئًا دون أن تشعر بأنك خسرت معركة؟
إن المقدسات الحقيقية لا تحتاج إلى تعصبنا لحمايتها، أما ما يحتاج إلى الصراخ والتخوين والمنع من السؤال حتى يبقى واقفًا، فربما كان شيئًا آخر غير الحقيقة.
فتش جيدًا في داخلك.
ربما لا يوجد صنم أمامك، لكن هناك فكرة لا تسمح لأحد بمناقشتها، أو شخص لا تقبل أن يُنتقد، أو جماعة تبرر لها ما لا تبرره لغيرها.
هناك، تحديدًا، قد يكون الصنم الذي تحرسه.
والأخطر أن الصنم لا يحتاج دائمًا إلى من يعبده؛ يكفي أن يجد من يدافع عنه حتى آخر ذرة من العقل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى