انهيار الولاءات: دروس من عصر الإمام الحسن (ع) في مجتمع سائل

انهيار الولاءات: دروس من عصر الإمام الحسن (ع) في مجتمع سائل
كتب✍️ :راهي الحاتم
في علم الاجتماع السياسي الحديث، يضع فيلسوف الاجتماعي البولندي (زيجمونت باومان) مصطلح «المجتمع السائل» ليصف به البيئات التي تفقد فيها القيم والمبادئ صلابتها وثباتها، فإذا بالمواقف السياسية تتحول إلى كتل هلامية لا يجمعها رابط، بل تتشكل وتتغير وفقاً للمصالح اللحظية المتغيرة.
وعندما ننظر إلى التاريخ، نجد أن الأزمة التي واجهها الإمام الحسن (صلوات الله وسلامه عليه) لم تكن مجرد أزمة نقص في الوعي الفكري، بل كانت في جوهرها أعمق من ذلك بكثير؛ لقد كانت أزمة سيولة أخلاقية وسلوكية أصابت النخب والجماهير معاً، ففقدت معها المواقف ثباتها، وانهارت الروابط القيمية التي يُبنى عليها المشروع العادل.
وفي خضم هذا المنعطف التاريخي الحرج، برزت ظاهرتان متداخلتان عملتا معاً على هدم مشروع الدولة العادلة، وتكمل إحداهما الأخرى:
أولاً: الولاءات المتحركة — حيث يصبح الموقف سلعة في سوق المزايدة
هذا المصطلح يصف فئة من النخب السياسية والعشائرية والأحزاب، الذين لا يثبتون على موقف إلا بقدر ما يعود عليهم بالنفع. فهم يعرضون مواقفهم في سوق المزايدات، وينتقلون من ضفة إلى أخرى كلما زادت المكاسب والأرباح التي يحصلون عليها. وهكذا لا يقوم ولاؤهم على الانتماء للوطن أو الدفاع عن المبدأ، بل يتغيرون بتغير المصلحة؛ فما دامت المصلحة قائمة بقي الولاء، وما إن تتبدل المصلحة حتى يتبدل الموقف معها.
ثانياً: الأغلبية الصامتة — حين يُترك القائد الشرعي وحيداً
وفي المقابل، أصاب الإنهاك الجماهير جراء ما خاضته من حروب مع علي بن أبي طالب (صلوات الله وسلامه عليه)، فلم تجد من نفسها قدرة على المضي قدماً، وتحججت بالقول: «إنا تعبنا». واعتبرت أن الحل يكمن في تفضيل السلام والانكفاء والابتعاد عن المواجهة. وهنا كان الخطر الأكبر: فتخلي هذه الجماهير عن دورها في الضغط والرقابة والمتابعة، ترك القيادة الشرعية وحيدة، مكشوفة الظهر أمام الخصوم، لا سند لها ولا ظهير.
وبين هاتين الظاهرتين — انهيار الولاءات عند النخب، وتخلي الجماهير عن مسؤوليتها — تآكلت جبهة الإمام الحسن (ع)، وتجسد ذلك في شاهدين تاريخيين قاطعين:
– الشاهد الأول: الخيانة النخبوية — حين لا يبقى شيء حصين أمام المال
يتمثل هذا في «عبيد الله بن عباس»، الذي كان قائد مقدمة جيش الإمام، وكان الرجل الذي وثق به الجميع لقرابته الوثيقة بالإمام، ولما يعرف به من ثارات شخصية ضد الأمويين. ومع ذلك، لم تصمد هذه الروابط كلها أمام العرض المالي، فما إن بعث معاوية إليه يقول: «أعطيك مليون درهم، يُدفع نصفه معجلاً»، حتى انشق ليلاً وأخذ معه ثلثي الجيش والتحق بمعسكر الخصم. إن هذا الحدث ليثبت بالدليل القاطع أن الولاء الذي يُبنى على المنفعة سرعان ما يذيب أشد الروابط قرابة ومبدئية، فلا يمكن أبداً أن يُعوّل على ولاء قائم على المصلحة.
– الشاهد الثاني: الغوغائية والتمرد — حين تُحلّ الشائعات محل اليقين
ولم يقتصر الأمر على انسحاب النخب فقط، بل امتد ليشمل القواعد الشعبية نفسها، حيث تحركت الجماهير مدفوعة بالشائعات والحرب النفسية التي بثها العدو، حتى اقتحمت فسطاط الإمام الحسن (ع) في ساباط المدائن. وبلغ السقوط مداه حين أقدم الجراح بن سنان — وهو واحد ممن كانوا يُفترض أنهم من أنصار الإمام — على طعنه في فخذه. وهنا يتضح كيف تتحول الجماهير من قوى نصرة وسند إلى أدوات تصفية وانهيار، وذلك حين تغيب الثبات القيمي وتسود الشائعات وتُغلب العاطفة على العقل.
وهكذا، فإن ما حدث في عصر الإمام الحسن (ع) ليس مجرد أحداث تاريخية مضت، بل هو درس خالد يربط بين ما وصفه باومان بـ «المجتمع السائل» وما نعيشه من واقع، حيث يظل المشروع العادل معرضاً للانهيار ما لم تُبنَ الولاءات على المبدأ لا على المصلحة، وما لم تتحمل الجماهير مسؤوليتها ولا تترك قيادتها وحيدة في وجه العواصف.



