هندسة النفوذ وصناعة التحالفات: كيف أسست أبوظبي “شرنقتها” السياسية والإعلامية؟

هندسة النفوذ وصناعة التحالفات: كيف أسست أبوظبي “شرنقتها” السياسية والإعلامية؟
بقلم✍️ : أسامة جاويش
في مشهد سياسي وإعلامي معقد تتشابك فيه خيوط المصالح الإقليمية والدولية، يبرز تساؤل مستمر حول أدوات القوة الناعمة وكيفية صناعة النفوذ طويل الأمد. وعلى مدار العقدين الماضيين، مثلت التجربة الإماراتية نموذجاً بارزاً في بناء شبكات تأثير متشعبة ومتماسكة نجحت في خلق حاضنة دفاعية وترويجية متكاملة لسياساتها.
استراتيجية “الشرنقة”: شبكة متعددة الطبقات
لم تكن استراتيجية بناء النفوذ الإماراتي مقتصرة على الأدوات الدبلوماسية التقليدية، بل اعتمدت على خلق شبكة واسعة ومعقدة تشبه – في دلالتها المجازية – ما يمكن وصفه بـ “الشرنقة الدفاعية” التي تحيط بالتوجهات الكبرى للدولة وتوفر لها خط دفاع أول متماسك.
تضم هذه الشبكة طبقات متداخلة ومتنوعة، تشمل:
نخب سياسية وقيادات: تتقاطع مصالحها وتوجهاتها مع السياسات الإماراتية في المنطقة.
دوائر اقتصادية ومالية: تشمل رجال أعمال وشخصيات اقتصادية كبرى لا تعاني نقصاً في النفوذ أو المال.
إمبراطوريات إعلامية ومنصات: تضم صحفيين وإعلاميين ومؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي.
قطاعات ثقافية وفنية: تمتد لتشمل فنانين ومطربين وشخصيات عامة تسهم في الترويج للخطاب العام.
من تقاطع المصالح إلى يقين القناعة
أحد أهم ملامح هذا النموذج هو تطور طبيعة العلاقة بين مركز القرار في أبوظبي وحلفائه؛ فبينما انطلقت العديد من هذه العلاقات في بداياتها من محطة “تقاطع المصالح” البحتة أو الحاجة المتبادلة، إلا أنها نجحت بمرور الوقت في التحول نحو حالة من “القناعة والاعتقاد الراسخ” بالمشروع السياسي والإقليمي.

هذا التحول العميق جعل حلفاء هذه المنظومة – سواء على المستوى الإعلامي أو السياسي – يتبنون سرديات الدولة ومواقفها الإقليمية والدولية بحماس ودفاع مستميت، وكأنهم يدافعون عن قضايا مصيرية أو عقائدية، الأمر الذي يفسر اتساع رقعة التأثير وقدرته على اختراق مختلف الشرائح والنخب.
قراءة في ميكانيزمات القوة الناعمة
تؤكد هذه التجربة أن نجاح الدول في إدارة صراعاتها وتحالفاتها لم يعد محصوراً في الأدوات الصلبة وحدها، بل بات مرتبطاً بقدرتها على “تخليق” بيئة حضانة فكرية وإعلامية وسياسية قادرة على الترويج للسياسات والدفاع عنها في وجه أي ضغوط أو انتقادات. لقد استطاعت القيادة الإماراتية خلال عشرين عاماً أن تبني جداراً بشرياً ومؤسسياً متكاملاً من الحلفاء والمؤيدين، مما يجعل من دراسة هذه التجربة مدخلاً أساسياً لفهم تحولات النفوذ وصناعة التحالفات في الشرق الأوسط الحديث.
