
لا تسوية مع الفاسدين على حساب العدالة ..
كتب ✍️ :أياد السماوي
تتداول الأوساط السياسية والإعلامية حديثًا عن توّجه حكومي لإجراء تسويات مالية مع بعض المتهمين أو المدانين بجرائم الفساد ، مقابل إعادة الأموال وإطلاق سراحهم .. ومثل هذا التوجه إن صحّ بهذه الصيغة ، يثير أسئلة دستورية وقانونية ومالية وأخلاقية لا يمكن تجاوزها تحت عنوان استرداد المال العام ..
نحن بالتأكيد مع استرداد كل دينار سُرق من المال العام ، ومع استخدام جميع الوسائل القانونية لاستعادة الأموال المنهوبة داخل العراق وخارجه .. لكن استرداد المال لا يعني إسقاط الجريمة ، وإعادة المال لا تعني إسقاط العقوبة ..
فالدولة لا تستطيع بقرار من مجلس الوزراء أن تسقط عقوبة قررها القانون .. فالسلطة التنفيذية مهمتها تنفيذ القانون ، وليس تشريعه ، ولا يجوز لها أن تحل محل السلطة التشريعية أو القضائية في مسائل تمس المسؤولية الجزائية ..
والدستور العراقي وضع حدودًا واضحة في هذا المجال فقد حصر العفو الخاص بصلاحيات رئيس الجمهورية بناءً على توصية من رئيس مجلس الوزراء ، واستثنى منه صراحة المحكومين بارتكاب جرائم الفساد المالي والإداري .. ولذلك فإن أي تسوية تتخذ شكل إسقاط العقوبة أو إغلاق الملف الجزائي بقرار حكومي تحتاج إلى سند دستوري وتشريعي صريح ، ولا يمكن أن تستمد مشروعيتها من مجرد قرار يصدره مجلس الوزراء ..
ثم إن هناك سؤالًا آخر لا يقل أهمية ، هل تعرف الدولة أصلًا جميع الفاسدين في العراق ؟ وهل تعرف بدقة حجم الأموال التي سرقوها ؟ إذا كانت ملفات الفساد لا تزال تكشف يومًا بعد آخر عن أسماء جديدة ، وأموال جديدة ، وشبكات جديدة ، فكيف يمكن عقد تسوية نهائية مع شخص على مبلغ محدد ، قبل اكتمال التحقيق المالي في جميع أمواله وممتلكاته وتحويلاته داخل العراق وخارجه ؟وكيف نضمن أنّ المبلغ الذي يعيده الفاسد يمثل كامل ما استولى عليه ، وليس جزءًا منه مقابل إغلاق الملف ووقف البحث عن بقية الأموال ؟
إن المال الفاسد لا يوجد بالضرورة في حساب مصرفي باسم صاحبه ، فقد يتحول إلى عقارات وشركات وأسهم وممتلكات مسجلة بأسماء آخرين ، أو يُهرّب إلى الخارج ، أو يُخفى ضمن شبكات مالية معقدة .. ولهذا فإنّ التسوية قبل اكتمال التحقيق المالي الشامل قد تعني عمليًا منح الفاسد شهادة براءة مالية عن أموال لم تكتشفها الدولة أصلًا .. وهناك قضية أكثر جوهرية ، أين حق المجتمع ؟
فإذا أعاد الفاسد الأموال ، فمن يعيد للمجتمع ما خسره ؟ ومن يعيد للدولة سنوات التنمية التي ضاعت ؟ ومن يحاسب من خان الأمانة العامة واستغل موقعه الوظيفي للإضرار بالمصلحة العامة ؟
إنّ استرداد المال هو حق للدولة ، أما المسؤولية الجزائية فهي مسألة أخرى يحكمها القانون والقضاء .. ولا يجوز الخلط بين الاثنين بحيث تتحول العقوبة إلى مبلغ مالي يدفعه من يملك المال ، وكأن الفساد أصبح مخاطرة استثمارية ، إن نجحت السرقة احتفظ الفاسد بالغنيمة ، وإن اكتُشفت أعاد المال وخرج حرًا .. هذه ليست عدالة ، بل وصفة لإعادة إنتاج الفساد .. نحن مع كل تسوية يسمح بها القانون ، إذا كانت هدفها الحقيقي استرداد الأموال وبإشراف القضاء والجهات المختصة ، من دون أن تتحول إلى وسيلة لإخفاء بقية الأموال أو إسقاط الحق العام أو تعطيل الملاحقة الجزائية .. أما أن تتحول الدولة إلى طرف في صفقة مع الفاسد ، أعد المال وخذ حريتك ، فهذه ليست مكافحة للفساد ، بل انتقاص من هيبة القانون والعدالة ..
المال المسروق يُسترد ، والمجرم يُحاسب ، فلا يجوز أن تجعل الدولة من إعادة المال المسروق ثمنًا لإسقاط العقوبة .. فإعادة المال حق للدولة ، والعقوبة حق للمجتمع ، وكلاهما ليس سلعةً تُعرض في سوق المساومات ..
أياد السماوي
في ٢١ / ٨ / ٢٠٢٦



