سياسة

السيادة العراقية لا تُحمى بالخطب.. بل ببناء دولة تمتلك قرارها

العراق بين استعادة القرار وبناء الدولة

السيادة العراقية لا تُحمى بالخطب.. بل ببناء دولة تمتلك قرارها

كتب ✍️ :فريق التحرير
السياسة الخارجية مرآة للداخل.. وحين يضطرب القرار الوطني تضطرب مكانة العراق خارجياً
ثمة حقيقة سياسية لا يمكن تجاهلها: الدولة التي لا تحسم خياراتها في الداخل، يصعب عليها أن تفرض خياراتها في الخارج.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة مأزق السيادة العراقية بعيداً عن الشعارات والانفعالات. فالقضية ليست مجرد خلاف حدودي أو أزمة دبلوماسية أو تدخل خارجي؛ بل هي سؤال أكبر يتعلق بقدرة الدولة العراقية على امتلاك قرارها، وتوحيد مؤسساتها، وتحويل إمكاناتها الهائلة إلى قوة سياسية واقتصادية قادرة على حماية مصالحها.
السياسة الخارجية ليست منفصلة عن السياسة الداخلية. إنها امتداد طبيعي لها.
فحين تكون مؤسسات الدولة قوية، والقرار السياسي واضحاً، والاقتصاد متماسكاً، والقانون فوق الجميع، يصبح للدولة وزن حقيقي في علاقاتها الدولية. أما حين تتعدد مراكز القرار، وتتداخل المصالح الحزبية والشخصية مع مصالح الدولة، فإن السياسة الخارجية تتحول بالضرورة إلى مساحة للمناورة وردود الأفعال.
وهنا تكمن إحدى أعقد مشكلات العراق.
لقد امتلك العراق طوال تاريخه مقومات دولة مؤثرة: موقع جغرافي استثنائي، ثروات طبيعية هائلة، سوق واسعة، قوة بشرية، وعمق حضاري وسياسي لا يمكن تجاهله. لكن امتلاك عناصر القوة شيء، وتحويلها إلى قوة دولة شيء آخر تماماً.
فالثروة النفطية لا تصنع دولة قوية إذا بقي الاقتصاد أسيراً للريع. والموقع الجغرافي لا يتحول إلى نفوذ إذا لم يُستثمر في التجارة والطاقة والنقل. والثقل السياسي لا يصبح تأثيراً إقليمياً ما لم يستند إلى مؤسسات مستقرة ورؤية استراتيجية واضحة.
ولهذا فإن استعادة السيادة العراقية لا تبدأ من الخارج، وإنما من الداخل.
تبدأ عندما تتحول الدولة من ساحة لتقاطع المصالح إلى مؤسسة فوق المصالح، ومن إدارة الأشخاص إلى إدارة المؤسسات، ومن رد الفعل إلى التخطيط، ومن الحسابات قصيرة المدى إلى استراتيجية وطنية طويلة الأمد.
والأهم من ذلك أن تتحرر السلطة التنفيذية من أي نزعة لاحتكار القرار أو تحويل مؤسسات الدولة ومواردها إلى أدوات للمكاسب الخاصة أو الفئوية. فالدولة التي تصبح فيها السلطة غاية بحد ذاتها، تفقد تدريجياً قدرتها على إنتاج قرار وطني مستقل.
أما الدولة التي تجعل المصلحة الوطنية معياراً للحكم، فإنها تستطيع أن تبني سياسة خارجية أكثر توازناً وثباتاً.
إن العراق لا يحتاج إلى سياسة خارجية أكثر صخباً، وإنما إلى سياسة أكثر ذكاءً.
سياسة تعرف متى تفاوض، ومتى تتمسك بحقوقها، ومتى تبحث عن المصالح المشتركة، وكيف تحول موقع العراق وثرواته وأسواقه وطاقاته البشرية إلى أوراق قوة تفاوضية.
فالنفوذ لا يصنعه ارتفاع الصوت، بل تصنعه القدرة.
والاحترام الدولي لا يُنتزع بالبيانات، بل يُبنى عبر دولة مستقرة، واقتصاد منتج، ومؤسسات فاعلة، ومجتمع يشعر بأن ثرواته تتحول إلى تنمية ورفاه وفرص حقيقية.
وعندما يصل العراق إلى هذه المرحلة، لن يكون مجرد دولة تتلقى الأزمات أو تنتظر مواقف الآخرين منها؛ بل يمكن أن يتحول إلى طرف فاعل في صناعة التوازنات الإقليمية وحل الأزمات.
وهذه هي النقلة التي يحتاج إليها العراق اليوم:
من دولة تتأثر بمحيطها إلى دولة تؤثر فيه.
من سياسة رد الفعل إلى سياسة المبادرة.
ومن السيادة بوصفها شعاراً إلى السيادة بوصفها قدرة ومؤسسات واقتصاداً وقراراً وطنياً مستقلاً.
إن معركة السيادة العراقية الحقيقية لا تُخاض في المؤتمرات وحدها، ولا عند الحدود وحدها، وإنما تبدأ في أروقة الدولة نفسها.
فإذا استقام الداخل، استقامت السياسة الخارجية.
وإذا توحد القرار، ازدادت قوة التفاوض.
وإذا قوي الاقتصاد، اتسع هامش الاستقلال.
وإذا أصبحت المؤسسات أقوى من الأشخاص، أصبحت الدولة أقوى من الضغوط.
وهنا فقط تتحول السيادة من كلمة تُقال إلى واقع يُمارس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى