
هل تمتلك إسرائيل أمناً قومياً؟.. حكاية كيري ونتنياهو التي كشفت وهم القوة
كتب✍️ :راهي الحاتم
في واقعة دبلوماسية بالغة الدلالة شهدتها مفاوضات التسوية عام 2014، كشفت كلمات وزير الخارجية الأمريكية جون كيري لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن صدع عميق في الرؤية الاستراتيجية الإسرائيلية، وأثارت تساؤلاً جوهرياً لا يزال مفتوحاً حتى اليوم: هل تمتلك إسرائيل حقاً ما يُسمى «الأمن القومي»؟
فخلال الجلسة المخصصة لمناقشة التسويات الأمنية للدولة الفلسطينية المستقبلية، رد نتنياهو على المطروحات بالرفض القاطع، مبرراً موقفه بأن هذه التسويات من شأنها الإضرار بالأمن القومي الإسرائيلي. هنا، توقف كيري بدهشة متسائلاً: «هل تتصور أن لإسرائيل أمناً قومياً حقاً؟ هل إسرائيل دولة تمتلك أمناً قومياً وقوة على النحو الذي تتصوره؟».
لم يرق هذا الكلام لنتنياهو، فبادر بشكواه إلى حلفائه في مجلس النواب الأمريكي، الذين استدعوا كيري لجلسة استماع استجوابية، متسائلين بلهجة استنكار: «كيف تزعم أن إسرائيل لا تمتلك أمناً قومياً؟».
وفي إجابته، وضع كيري معادلة استراتيجية مغايرة: «أنا أقول لكم إن إسرائيل لا تمتلك أمناً قومياً بالمعنى الحقيقي؛ فهي دولة صغيرة المساحة، مدفعية أي دولة عربية قادرة على قصفها من أي نقطة. وإن الأمن القومي لإسرائيل — إذا أردنا تفسيره بدقة — لا يكمن في قوتها العسكرية ولا في مدافعها ولا طائراتها، بل يكمن في السلام».
ولم يلبث أن تردد صدى هذه الكلمات داخل إسرائيل نفسها، حيث عُقد لقاء في مركز أبحاث الأمن القومي بجامعة تل أبيب، جمع الباحثة والمذيعة — التي شغلت سابقاً مناصب في الاستخبارات العسكرية — بالأديب الإسرائيلي عاموس عوز، المعروف بمواقفه الداعمة للسلام. وفي معرض حديثها معه، سألته مباشرة: «صحيح ما قيل إنه لا يوجد لدينا أمن قومي؟».
أجاب عوز بكل هدوء وثقة: «نعم صحيح، لقد كان كيري محقاً». استغرت الباحثة قائلة: «كيف ذلك؟ أليس هذا غريباً؟».
فرد عوز بجملة قلبت الموازين: «أريد أن أقول لك بكل صراحة: نحن نعيش بفضل العرب».
تساءلت بدهشة: «وكيف يكون ذلك؟».
قال: «نحن لسنا مدرجين على رأس جدول أعمال العرب.. لو كان العرب يضعوننا في صدارة اهتماماتهم، لما قامت لإسرائيل قيامة».
ازدادت دهشتها: «كل هذه القوة العسكرية الهائلة التي نمتلكها، ونحن في النهاية نعيش بفضل العرب؟».
أكمل عوز بلهجة حازمة لا لبس فيها: «لعلمك، العرب قادرون على إنهاء إسرائيل بـ…».
إن ما كشفته هذه الواقعة ليس مجرد خلاف في وجهات النظر، بل هو كشف للوهم الذي طالما سوقته القيادات الإسرائيلية: فالقوة العسكرية مهما بلغت لن تمنح إسرائيل أمناً قومياً حقيقياً ما لم يكن السلام مع محيطها العربي هو القاعدة التي تقوم عليها استقرارها. سؤال كيري قبل أكثر من عقد لا يزال ينتظر الإجابة، وجملة عوز تظل تتردد في كل مرة تُطرح فيها معادلات القوة والأمن في المنطقة.



