الناس كتبٌ لا تُقرأ من صفحة واحدة
الناس كتبٌ لا تُقرأ من صفحة واحدة
كتب ✍️ راهي الحاتم
عاملِ الناسَ كأنك تتصفّح كتابًا؛ اقرأهم بهدوء، ولا تستعجل الحكم من صفحةٍ واحدة، لأن الإنسان، مثل الكتاب، قد يخفي في فصوله ما لا تكشفه صفحته الأولى.
نحن غالبًا لا نرى من الآخرين إلا ما يظهر أمامنا في لحظة محددة. نلتقي شخصًا في يومٍ سيئ، فنظن أن سوء مزاجه طبيعته. نراه صامتًا، فنصفه بالغرور. نراه شديدًا في موقف، فنحكم عليه بالقسوة. وقد نلتقيه مبتسمًا، فنعتقد أن حياته خالية من الوجع. هكذا نرتكب أخطاءنا في قراءة البشر: نأخذ المشهد ونترك الحكاية.
لكن الإنسان ليس لحظة عابرة، ولا موقفًا منفردًا، ولا كلمة قيلت تحت ضغطٍ أو غضب. الإنسان تراكم سنوات، وذكريات وتجارب، وانتصارات وانكسارات، أشياء قالها وأشياء اضطر إلى الصمت عنها، وأبواب أُغلقت في وجهه، وأخرى فتحها بنفسه بعد عناء.
ولكل إنسان صفحات لا يراها أحد.
قد يكون خلف الهدوء صراع طويل، وخلف القوة خوفٌ لا يُقال، وخلف الابتعاد خيبة، وخلف القسوة قلبٌ أتعبته كثرة الخذلان. وليس معنى ذلك أن نبرر الأخطاء أو نعفي أحدًا من مسؤولية أفعاله، وإنما أن نكون أكثر عدلًا حين نحكم، وأكثر وعيًا حين نفسر.
فالنضج ليس أن تعرف الناس بسرعة، بل أن تعرف حدود معرفتك بهم.
كم من إنسانٍ أسأنا فهمه لأننا قرأنا صفحة واحدة من كتابه، وكم من شخصٍ منحناه حكمًا نهائيًا لأن موقفًا واحدًا لم يعجبنا! ثم تكشف لنا الأيام أن الصورة التي رسمناها لم تكن إلا جزءًا صغيرًا من الحقيقة.
حتى نحن لا نحب أن يُختصر وجودنا في أسوأ أيامنا، فلماذا نفعل ذلك بالآخرين؟
لو أتيح للناس أن يقرأوا حياتنا كما نقرأ الكتب، لوجدوا صفحاتٍ نحبها، وأخرى نتمنى لو لم تُكتب، وفصولًا نعتز بها، وأخرى تجاوزناها بصعوبة. ومع ذلك، لا نطلب من أحد أن يحاكمنا وفق صفحة واحدة. نريد منهم أن يعرفوا أن وراء الخطأ إنسانًا، ووراء الإنسان قصة.
لذلك، لا تجعل أول انطباع آخر حكم، ولا تجعل موقفًا عابرًا تعريفًا كاملًا لإنسان. تمهّل في القراءة؛ فبعض الكتب لا تكشف جمالها إلا بعد صفحات، وبعض البشر لا تظهر حقيقتهم إلا حين تمنحهم الأيام فرصةً أخرى.
والأجمل من أن تعرف الناس هو أن تتعلم كيف تقرأهم دون أن تظلمهم؛ أن ترى الخطأ ولا تنكر، وترى الخير ولا تتجاهل، وأن تترك دائمًا مساحةً لاحتمال أن تكون الصورة أكبر مما رأيت.
فالناس ليسوا صفحاتٍ منفصلة، بل حكايات متصلة.
اقرأ الإنسان كما تقرأ كتابًا؛ لا تحكم من الغلاف، ولا من الصفحة الأولى، ولا من فصلٍ واحد. فقد تكون الحقيقة في صفحة لم تصل إليها بعد.



