حين تصبح الدولة غنيمة ويصبح المواطن آخر الاهتماما

حين تصبح الدولة غنيمة ويصبح المواطن آخر الاهتماما
كتب:اكرم العراقي
لم تكن حكاية الإنكشارية في الدولة العثمانية مجرد قصة جنود امتلكوا السلاح بل كانت درساً تاريخياً في خطورة تحوّل القوة التي أُنشئت لحماية الدولة إلى قوة تدافع عن امتيازاتها ومصالحها حتى أصبحت في مراحل من التاريخ عائقاً أمام الإصلاح وانتهى أمرها عام 1826 بقرار السلطان محمود الثاني
واليوم حين نتأمل واقع العراق لا نقول إن التاريخ يتكرر بحذافيره ولا نساوي بين زمنين مختلفين لكننا نتساءل ماذا يحدث عندما تتقدم مصالح القوى النافذة على مصلحة الدولة ومتى يصبح المنصب وسيلة للنفوذ بدلاً من أن يكون أمانة لخدمة الناس
في العراق الذي يملك ثروات هائلة ما زال المواطن خدمات تليق بإنسانيته بينما تتعثر الإصلاحات تحت وطأة صراعات المصالح وتبادل الاتهامات وتغليب الحسابات السياسية على احتياجات المجتمع
إن أخطر ما يصيب الدول ليس نقص الثروات بل غياب العدالة وضعف المحاسبة حين يشعر المواطن أن القانون لا يقف على مسافة واحدة من الجميع وأن الوصول إلى الحق يحتاج أحياناً إلى واسطة أو نفوذ بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً لكل إنسان
ليست القضية صراعاً مع مكوّن أو طائفة ولا دعوة إلى الفوضى والانتقام بل هي دعوة إلى استعادة معنى الدولة وإلى إنهاء ثقافة الامتيازات وإرساء مبدأ أن المنصب تكليف لا تشريف وأن المال العام أمانة لا غنيمة وأن المسؤول مهما علا منصبه يجب أن يخضع للقانون والمساءلة
لقد علّمنا التاريخ أن المؤسسات حين تتحول إلى أدوات لحماية المصالح الخاصة تفقد تدريجياً ثقة الناس وأن الشعوب لا تقيس الحكومات بكثرة الشعارات بل بما تراه في حياتها اليومية من عدالة وكرامة وأمن وخدمات
العراق لا يحتاج إلى قوى تتعامل مع الدولة وكأنها ملك خاص ولا إلى صراعات تتغير فيها الوجوه ويبقى المواطن يدفع الثمن بل يحتاج إلى رجال دولة يضعون الإنسان فوق المصالح ويجعلون القانون فوق النفوذ ويؤمنون بأن ثروة البلاد حق للأجيال وليست امتيازاً للمتنفذين
فالدول لا تنهض بتغيير الأسماء وحدها بل بتغيير النهج ولا تستعيد عافيتها بتوزيع المناصب بل ببناء المؤسسات ولا يحفظ هيبتها الخوف من السلطة بل ثقة المواطن بعدالتها
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه هل نتعلم من دروس التاريخ ونبني دولة تحمي أبناءها أم نترك المصالح الضيقة تعيد إنتاج الأزمات بأسماء جديدة ويبقى المواطن هو الخاسر الأكبر.


