كتابنا

 ازدواجية النظام الدولي وتجريم المقاومة

 ازدواجية النظام الدولي وتجريم المقاومة

✍🏻 احسان الموسوي
10 مارس 2026

في عالم يفترض انه محكوم بالقوانين الدولية والاعراف الانسانية تبدو المفارقات اليوم اكثر وضوحا من اي وقت مضى فبينما تتعرض شعوب المنطقة لاعتداءات متكررة وحروب مدمرة نجد ان جزءا من شركائنا في الوطن لا يقف في موقع المتفرج فحسب بل يتحول احيانا الى طرف يعيد انتاج خطاب الاحتلال داخل اوطاننا ويبرر سرديته السياسية والاعلامية في حين يصطف عدد من الانظمة العربية في موقع اقرب الى التماهي مع المشروع الصهيوني بدلا من الوقوف الى جانب الشعوب التي تناضل من اجل حريتها وكرامتها

المفارقة الاكثر ايلاما لا تكمن فقط في اننا نواجه عدوا خارجيا يمتلك ترسانة عسكرية هائلة بل في ان بعض شركائنا في الوطن يتصدرون مشهد ادانة الضحية وتجريمها فعندما تتعرض شعوبنا للقصف والقتل والتدمير وعندما تسقط الضحايا وتتحول المدن الى ركام يصبح السؤال الذي يطرحه هؤلاء ليس لماذا يحدث العدوان بل لماذا تقاومون ولماذا تردون وكأن المطلوب من الشعوب ان تموت بصمت وان تقبل بالقتل دون ان تدافع عن حقها الطبيعي في الحياة والسيادة والكرامة

وغالبا ما يسوق هؤلاء ذريعة تبدو في ظاهرها واقعية لكنها في حقيقتها دعوة صريحة للاستسلام فهم يكررون خطابا واحدا مفاده ان ميزان القوة مختل وان العدو يمتلك سلاحا فتاكا لا يمكن مواجهته وبناء على ذلك يدعون الشعوب الى القبول بالامر الواقع والرضوخ له وكأن الاستسلام تحول الى فضيلة سياسية وكأن الخضوع والخنوع اصبحا خيارا عقلانيا في مواجهة العدوان

غير ان التاريخ يقدم لنا رواية مختلفة تماما فمعظم حركات التحرر في العالم لم تكن تمتلك توازنا عسكريا مع القوى التي احتلتها ومع ذلك استطاعت عبر الارادة والصمود وتراكم الفعل المقاوم ان تفرض معادلات جديدة وان تنهي اشكالا متعددة من الاحتلال والهيمنة ولذلك فان تحويل اختلال ميزان القوة الى مبرر لالغاء حق الشعوب في المقاومة لا يعكس واقعية سياسية بقدر ما يعكس حالة من الاستسلام الذهني والسياسي

هذه الظاهرة ترتبط ايضا بطبيعة النظام الدولي القائم على موازين القوة لا على مبادئ العدالة فالمجتمع الدولي الذي يقدم نفسه بوصفه حاميا للقانون الدولي يمارس اليوم ازدواجية صارخة في المعايير فعندما يتعلق الامر بمقاومة الشعوب للاحتلال يتم تصنيف تلك المقاومة على انها ارهاب بينما يتم التغاضي عن الجرائم الواسعة التي ترتكبها آلة الحرب الامريكية الاسرائيلية بحق المدنيين والبنى التحتية ومقدرات الدول

وفي السياق ذاته تحظى التحالفات العسكرية الكبرى مثل حلف الناتو بغطاء سياسي واعلامي واسع حين تتدخل عسكريا في دول اخرى تحت ذرائع مختلفة بينما يجري تجريم كل فعل مقاوم يسعى الى حماية السيادة الوطنية او ردع العدوان الخارجي وبذلك تتحول مفاهيم مثل الامن الدولي ومحاربة الارهاب الى ادوات سياسية تستخدم بشكل انتقائي لخدمة مصالح القوى المهيمنة

ان ما يجري في منطقتنا اليوم ليس مجرد صراع عسكري تقليدي بل هو صراع على الرواية وعلى تعريف المفاهيم ذاتها فحين يتم تجريم المقاومة وتبرئة الاحتلال يصبح الخلل بنيويا في النظام الدولي نفسه وهذا الخلل لا يهدد شعوب المنطقة وحدها بل يقوض مصداقية المنظومة الدولية التي يفترض انها تقوم على مبادئ السيادة وحق الشعوب في تقرير مصيرها

وفي ظل هذا الواقع تصبح معركة الوعي لا تقل اهمية عن معركة الميدان فالشعوب التي يتم اقناعها بان الاستسلام هو الخيار الوحيد سرعان ما تفقد قدرتها على الدفاع عن وجودها السياسي والاقتصادي ولذلك فان اعادة الاعتبار لشرعية المقاومة ليست مجرد موقف عاطفي بل ضرورة استراتيجية للحفاظ على توازن القوى ومنع تحويل المنطقة الى ساحة مفتوحة للهيمنة والاستنزاف

ان شرعية الشعوب لا تمنحها المؤسسات الدولية ولا تصادرها بيانات الادانة بل تصنعها قدرتها على الصمود والمقاومة وفرض معادلات جديدة مهما حاولت القوى الكبرى وحلفاؤها في الداخل تجريم حقها الطبيعي في الدفاع عن وجودها وسيادتها وكرامتها .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى