ادبية

إشكالية الهوية الثقافية والوصاية الغربية: قراءة تحليلية في رؤية الدكتور نايف بن نهار

إشكالية الهوية الثقافية والوصاية الغربية: قراءة تحليلية في رؤية الدكتور نايف بن نهار

​في المشهد الفكري المعاصر، تبرز بحدة تساؤلات ملحة حول طبيعة العلاقة بين العالم الإسلامي والغرب، وكيفية تلقي النموذج الغربي بكل ما يحمله من أطروحات ومخرجات ثقافية واجتماعية. وفي هذا السياق، يطرح الدكتور نايف بن نهار مقاربة عميقة ومضبوطة المياسم، ترفض الانخراط في ثنائيات التطرف المطلق، وتؤسس لنقد رصين يقوم على التمييز الدقيق بين التناصح الحضاري والوصاية الفكرية.

​تفكيك ثنائية السواد والبياض

​لا ينطلق الطرح النقدي للنموذج الغربي من نظرة عدمية أو رؤية تعبوية تجعل من الغرب “صفحة سوداء” بالمطلق، مقابل تقديس الذات وجعل العالم الإسلامي “صفحة بيضاء”. فالاعتراف بالواقع يفرض التسليم بأن لدى الأمم جمعاء إشكالياتها ومصائبها الخاصة. ومن هنا، فإن الأزمة الحقيقية لا تكمن في وجود تمايز ثقافي أو حضاري، بل في طبيعة التعاطي الذي يفرضه النموذج الغربي المعاصر.

​من التناصح إلى الاستذاب: أزمة فرض الأفضليات

​تتحدد المشكلة الجوهرية مع النموذج الغربي في تجاوزه لمستوى “التناصح الإنساني والمتبادل”—وهو أمر محمود ومقبول في العلاقات بين الأمم—إلى مستوى “الاستذاب” والوصاية الفوقية. فالتفاعل الحضاري يصبح مأزوماً عندما لا يكتفي الطرف الآخر بتقديم نموذج أو تفضيل ذاته، بل يسعى جاداً إلى فرض منظومته القيمية قسراً على المجتمعات الأخرى.

​تتجسد هذه الوصاية حين تتدخل الوفود الرسمية والمؤسسات الغربية لمساءلة المجتمعات العربية والإسلامية عن آليات تربية أبنائهم، وأدوار نسائهم، ومناهج تعليمهم، مطالبة إياهم بمطابقة تلك الممارسات للمعيار الغربي الأحادي. وهنا يتحول الحوار من فضاء الاختيار الحر والتنوع الثقافي إلى قسر إجباري يتنافى حتى مع الأصول التشريعية الكبرى التي أقرتها الأديان السماوية، كالقاعدة القرضوية المحكمة: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}.

​المنظومة الذاتية والسيادة القيمية

​تؤكد المقاربة الفكرية أن المجتمعات الإسلامية، وإن اعترفت بوجود قصور أو أخطاء، تمتلك بالضرورة منظومتها الذاتية والقيمية القادرة على معالجة إشكالاتها الداخلية دون الحاجة لوصي مستورد من أقصى الأرض. فالإشكالية تتفاقم حين يُفرض هذا الوصي -المأزوم بنيئاً وأخلاقياً وفقاً للمقاييس النقدية المطروحة، والتي شهدت ممارسات مثيرة للجدل حتى على مستوى الطفولة والهوية البيولوجية- ليلعب دور الموجه والمعلم للقيم الأسرية والمجتمعية.

​والأدهى من ذلك هو تحول هذه التعليمات الفوقية لدى بعض الدول الغربية إلى منظومة قوانين ضاغطة تهدف إلى إكراه الآخرين على تبنيها. وهو أمر ترفضه تماماً الضمائر الحرة والتوجهات الإسلامية التي لا تجحد مزايا الغرب التقنية أو الإدارية، ولكنها تضع خطاً أحمر أمام محاولات محو الهوية واستلباب الخصوصية الثقافية.

​خاتمة

​إن الوعي بطبيعة الصراع الثقافي اليوم يقتضي امتلاك القدرة على التفرقة بين “قبول النصيحة وتبادل الخبرات” وبين “الاستعلاء الفكري والوصاية المهينة”. وإن مقولة المسؤول الأوروبي الشهيرة التي تصنف شعوب المنطقة في مرتبة “الأطفال” الذين بحاجة إلى الوصاية التربوية الطويلة للوصول إلى المستوى الحضاري المنشود، تكشف بوضوح عن عمق التحدي القائم؛ وهو تحدٍ لا يواجه إلا بالتمسك بالمرجعية القيمية المستقلة، والوعي الراسخ بأصالة الهوية الحضارية للأمة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى