سياسة

وطنية الكيل بمكيالين من التضامن الى تصفية الهوية

 وطنية الكيل بمكيالين من التضامن الى تصفية الهوية

 

✍🏻 احسان الموسوي
20 يناير 2026

تعكس الوقائع الاخيرة في العراق والمنطقة اختلالا خطيرا في مفهوم الوطنية وحدودها العملية حيث لم تعد الوطنية اطارا جامعا يقوم على العدالة والمساواة بين المواطنين بل جرى تفريغها من مضمونها وتحويلها في الخطاب العام الى اداة فرز واقصاء تبيح التضامن حين يخدم هوية بعينها وتدينه حين يصدر عن هوية اخرى

في هذا السياق يصبح تضامن شخصية رسمية عراقية مع مقاتلة كردية خارج حدود الدولة فعلا محمودا يصنف باعتباره انسانيا او قوميا بينما يتحول الاعتراض عليه الى تهمة جاهزة بالعنصرية او الانغلاق وفي المقابل حين يعلن سني عراقي تعاطفه مع جماعات سنية عابرة للحدود مهما كان خطابها او سجلها الدموي يجد دائما من يمنح ذلك غطاء مذهبيا باعتباره امتدادا طبيعيا للانتماء في مواجهة خصم شيعي مصور سلفا بوصفه خطرا وجوديا

لكن هذه المرونة الخطابية تنهار بالكامل عندما يتعلق الامر بشيعي عراقي يبدي تعاطفا مع شيعة خارج الحدود وخصوصا في ايران حيث يستنفر قاموس التخوين دفعة واحدة وتطلق اوصاف التبعية والعمالة وتهم تقويض الدولة وكأن الانتماء المذهبي يتحول فجاة من حق مشروع الى جريمة سياسية واخلاقية

هذا التناقض لا يمكن تفسيره بوصفه اختلافا عفويا في الرأي او حساسية وطنية بريئة بل هو نتاج مسار ثقافي وسياسي طويل عمل على عزل الشيعة عن محيطهم وتجريدهم من اي عمق تضامني عابر للحدود بهدف تحويلهم الى كتلة منزوعة السند سهلة الاستهداف وقد اثبتت التجربة التاريخية ان هذا العزل لم يكن يوما غاية بحد ذاته بل مقدمة لاقصاء اشد قسوة انتهى في اكثر من محطة الى ابادة رمزية ثم مادية كما شهد العراق في حقبة البعث ثم في زمن داعش

الاخطر في هذا المسار انه يعيد تعريف الوطنية بوصفها صراعا داخليا لا مظلة حماية مشتركة ويختزل السيادة في قطيعة مذهبية لا في استقلال القرار الوطني فالحدود التي رسمتها سايكس بيكو يجري تجاوزها بلا تردد حين يخدم التجاوز هوية معينة بينما تتحول الى خطوط حمراء مقدسة حين يتعلق الامر بهوية اخرى

ولن اقف عند هذا الحد في التوصيف بل احذر من مالات هذه الوطنية الزائفة لان استمرار هذا المنطق يعني تكريس دولة عاجزة عن بناء عقد اجتماعي متوازن دولة تقوم على تصنيف مواطنيها وفق ولاءاتهم المفترضة لا حقوقهم الدستورية وتفتح الباب امام صراعات داخلية دائمة يجري فيها استدعاء الخارج مرة بوصفه حليفا ومرة بوصفه فزاعة بحسب حاجة الخطاب السائد

ان اي وطنية تطلب من فئة بعينها قطع امتداداتها والتبرؤ من تاريخها وهويتها ليست وطنية بل مشروع اخضاع وان الدولة التي لا تحتمل التعدد في اشكال التضامن هي دولة تخشى مواطنيها اكثر مما تحميهم

ان الخروج من هذه الازمة لا يكون عبر مزيد من التخوين ولا عبر فرض تعريف احادي للوطنية بل عبر اعادة الاعتبار لمفهومها بوصفها حقا متساويا في الانتماء والتضامن والاختلاف والاقرار بان الانتماءات العابرة للحدود ليست حكرا على قومية او مذهب وان تجريمها بشكل انتقائي لا يدافع عن الدولة بل يقوض شرعيتها من الداخل

في المحصلة لا يمكن بناء دولة مستقرة على اساس وطنية انتقائية لان هذه الوطنية ليست سوى غطاء ناعم لمشاريع اقصاء قديمة بوجوه جديدة وما لم يتم تفكيك هذا الخطاب فان التاريخ سيعيد انتاج نفسه ولكن بكلفة اعلى يدفع ثمنها الجميع دون استثناء .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى