بحوث

الصهيونية المسيحية والإنجيلية: كيف تشكل التحالف بين الغرب وإسرائيل؟

الصهيونية المسيحية والإنجيلية: كيف تشكل التحالف بين الغرب وإسرائيل؟

الوسق الاخبارية 
يثير الدعم الغربي، ولا سيما الأمريكي، لإسرائيل تساؤلات متكررة حول الكيفية التي نشأ بها هذا التحالف، رغم التاريخ الطويل من التوترات الدينية بين اليهود والمسيحيين في أوروبا. ويذهب عدد من الباحثين والكتّاب إلى أن أحد مفاتيح فهم هذا المشهد يكمن في دراسة ما يُعرف بـ”الصهيونية المسيحية” أو “التيار الإنجيلي الصهيوني”، الذي لعب دورًا مؤثرًا في الحياة السياسية الأمريكية خلال العقود الماضية.
وتقوم هذه الرؤية على تفسير حرفي لبعض نصوص العهد القديم والعهد الجديد، ولا سيما ما يرتبط بالنبوءات الخاصة بـ”هرمجدون” وعودة المسيح. ووفق هذا التفسير، فإن قيام دولة إسرائيل وعودة اليهود إلى فلسطين يُعدان شرطين يسبقان الأحداث الأخيرة التي تسبق نزول المسيح، وهو ما جعل دعم إسرائيل، في نظر أتباع هذا التيار، جزءًا من عقيدتهم الدينية، لا تعبيرًا عن محبة لليهود بقدر ما هو التزام بما يعتقدون أنه تحقيق للنبوءات.


ويرى أصحاب هذا الطرح أن هذا الاعتقاد انتشر على نطاق واسع داخل الأوساط الإنجيلية في الولايات المتحدة، وترك أثرًا واضحًا في توجهات عدد من الساسة الأمريكيين، خاصة خلال ثمانينيات القرن الماضي، ومن بينهم الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان، الذي نُسبت إليه تصريحات ومواقف عكست اهتمامًا بفكرة هرمجدون ونهاية الزمان.
ومن هنا يذهب بعض الباحثين إلى أن المشروع الصهيوني لم يكن في بداياته مشروعًا يهوديًا خالصًا، بل سبقت الدعوة إليه تيارات مسيحية إنجيلية رأت في إقامة وطن لليهود في فلسطين خطوة ضرورية لتحقيق معتقداتها الدينية. ويشيرون إلى أن هذه الأفكار ظهرت قبل نشوء الحركة الصهيونية السياسية الحديثة التي قادها لاحقًا تيودور هرتزل.
وفي المقابل، يلفت هذا الرأي إلى وجود تيارات يهودية دينية رفضت المشروع الصهيوني منذ نشأته، معتبرة أن العودة الجماعية إلى فلسطين وإقامة دولة يهودية قبل مجيء المخلص تمثل مخالفة للإرادة الإلهية. وترى هذه الجماعات أن الله هو وحده من يملك حق إعادة اليهود إلى الأرض المقدسة، وأن أي محاولة بشرية لتحقيق ذلك تُعد تجاوزًا للعقيدة الدينية. ولا تزال بعض الجماعات اليهودية الأرثوذكسية تتبنى هذا الموقف حتى اليوم.
أما على الصعيد الأوروبي، فقد شهد القرن التاسع عشر تصاعد النزعات القومية عقب الثورة الفرنسية، حيث برزت القوميات الألمانية والفرنسية والإيطالية وغيرها، الأمر الذي جعل كثيرًا من اليهود يسعون إلى الاندماج داخل المجتمعات الأوروبية باعتبار أنفسهم مواطنين ينتمون إلى أوطانهم الجديدة.
ويُعد تيودور هرتزل مثالًا على هذا المسار؛ إذ تشير العديد من الدراسات إلى أنه لم يبدأ حياته السياسية بوصفه داعية إلى إقامة دولة يهودية، بل كان يسعى إلى الاندماج الكامل في المجتمع الأوروبي. غير أن تصاعد معاداة اليهود، ولا سيما بعد قضية دريفوس في فرنسا، دفعه إلى إعادة النظر في هذا الخيار، ليطرح لاحقًا مشروعه المعروف في كتاب “دولة اليهود”، الذي أصبح الأساس الفكري للحركة الصهيونية السياسية الحديثة، رغم أن هرتزل نفسه كان ذا توجه علماني أكثر منه ديني.
وينطبق الأمر ذاته على عدد من المفكرين اليهود في تلك المرحلة، ومنهم ماكس نورداو، الذي حاول الاندماج في المجتمعات الأوروبية، قبل أن يقتنع بأن معاداة اليهود تمثل عائقًا دائمًا أمام هذا الاندماج، فانتقل إلى تأييد المشروع الصهيوني.
كما برزت شخصيات أخرى، مثل برنارد لازار، حاولت تفسير جذور معاداة السامية في أوروبا، وانتهت إلى أن المشكلة أعمق من مجرد خلافات دينية أو ثقافية، وهو ما دفع عددًا من المفكرين اليهود إلى الاعتقاد بأن إقامة وطن قومي قد يكون الحل الوحيد لضمان أمن اليهود واستقرارهم.
وفي السياق ذاته، يُشار إلى موسى هِس بوصفه من أوائل المفكرين اليهود الذين دعوا إلى فكرة العودة القومية إلى فلسطين، بعدما خلص إلى أن معاداة اليهود في أوروبا يصعب تجاوزها مهما بلغت محاولات الاندماج.
وفي النهاية، تبقى العلاقة بين الصهيونية المسيحية، والحركة الصهيونية اليهودية، والسياسات الغربية تجاه إسرائيل، موضوعًا واسعًا ومعقدًا، تتداخل فيه الأبعاد الدينية والفكرية والسياسية والتاريخية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى