تفكيك سردية الحق التاريخي والديمقراطية الإسرائيلية

تفكيك سردية الحق التاريخي والديمقراطية الإسرائيلية
كتب✍️ :فريق التحرير
تقوم السردية الصهيونية الحديثة على مجموعة من الركائز التي تُستخدم لتقديم إسرائيل بوصفها صاحبة (حق تاريخي) في فلسطين، ودولةً ذات تفوق سياسي وأخلاقي في المنطقة. غير أن هذه الركائز تظل موضع جدل واسع، وتحتاج إلى قراءة نقدية تتجاوز الخطاب السياسي والدعائي.
إشكالية (من هو اليهودي؟)
من أبرز الأسئلة التي تُطرح في مواجهة مفهوم (الحق التاريخي) مسألة الهوية اليهودية نفسها: من هو اليهودي الذي يُنسب إليه هذا الحق التاريخي، وما المعايير التي تحدد انتماءه؟
وقد تناول عدد من الباحثين والمؤرخين الإسرائيليين هذه الإشكالية من زوايا مختلفة، ومن أبرزهم (شلومو زاند) ، الذي أثار في كتابه اختراع الشعب اليهودي جدلًا واسعًا حول فكرة وجود شعب يهودي متجانس امتد تاريخيًا بصورة متصلة وصولًا إلى إسرائيل الحديثة.
كما يستند بعض الخطاب النقدي إلى رواية سفر أستير، ولا سيما الإشارة إلى اعتناق بعض سكان الإمبراطورية الفارسية لليهودية خوفًا من اليهود، بوصفها مثالًا على أن التحول إلى اليهودية كان موجودًا في مراحل تاريخية مختلفة.
لكن هذه المسألة لا تكفي وحدها لإثبات أو نفي انتماء جماعات معاصرة إلى اليهودية؛ فالهوية الدينية والقومية ظاهرة تاريخية معقدة، ولا يمكن اختزالها في معيار بيولوجي أو ملامح جسدية.
وهنا تظهر نقطة أكثر أهمية: هل يمكن بناء حق سياسي معاصر على أساس إثبات انتماء عرقي أو ديني يعود إلى آلاف السنين؟ إن تحويل التاريخ إلى سند حصري للسيادة السياسية يفتح بالضرورة أسئلة صعبة حول حقوق الشعوب التي عاشت في الأرض نفسها عبر أجيال متعاقبة.
(الدولة الديمقراطية الوحيدة) .. بين السياسة والقيم
الركيزة الثانية التي كثيرًا ما تُستخدم في الخطاب السياسي الغربي لتبرير دعم إسرائيل هي مقولة إنها (الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط) .
غير أن هذه العبارة تحتاج إلى تفكيك؛ فالديمقراطية، في معناها السياسي الأساسي، هي آلية لتنظيم الوصول إلى السلطة وممارستها، وليست بالضرورة منظومة أخلاقية مكتملة.
فوجود انتخابات وتعدد حزبي ومؤسسات تشريعية لا يعني تلقائيًا أن السياسات الناتجة عنها عادلة أو أخلاقية. الديمقراطية تعكس، إلى حد كبير، طبيعة المجتمع الذي تعمل داخله؛ فإذا كان المجتمع منقسمًا أو يحمل نزعات عنصرية أو إقصائية، فقد تنعكس تلك الاتجاهات على السياسات والقرارات.
ومن هنا ينبغي التفريق بين (الديمقراطية كآلية سياسية) و(القيم الأخلاقية التي توجه ممارسة السلطة) .
فالدول الديمقراطية نفسها تختلف جذريًا في فلسفاتها الاجتماعية والسياسية ومواقفها من قضايا الحرب والسلام والعدالة والحقوق. وبالتالي فإن وصف دولة ما بأنها ديمقراطية لا يكفي وحده للحكم على سياساتها الخارجية أو سلوكها تجاه الشعوب الأخرى.
الديمقراطية لا تمنح حصانة أخلاقية
المشكلة تبدأ عندما تتحول الديمقراطية من آلية سياسية إلى معيار يُستخدم لمنح دولة ما حصانة أخلاقية.
فليس السؤال فقط: كيف وصل الحكام إلى السلطة؟ بل أيضًا: كيف يمارسونها؟ وما حدودها؟ وما الحقوق التي تضمنها؟ وكيف تتعامل الدولة مع من يقع خارج حدود الجماعة السياسية المتمتعة بحقوقها الكاملة؟
ومن هذه الزاوية، يصبح تقييم أي دولة بحاجة إلى أكثر من النظر إلى صناديق الاقتراع؛ إذ ينبغي النظر كذلك إلى منظومة الحقوق والحريات، والمساواة أمام القانون، وطبيعة التعامل مع الأقليات، وسياسات الحرب والاحتلال، ومدى احترام القانون الدولي.
وعليه، فإن اختزال إسرائيل في عبارة (الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط) لا يفدم تحليلًا كافيًا، بل قد يتحول إلى أداة سياسية لتبرير سياسات الدولة بدلًا من تقييمها بصورة مستقلة.
من (الحق التاريخي) إلى (الحق السياسي)
المعضلة الأساسية في السردية الصهيونية لا تتعلق بالتاريخ وحده، بل بكيفية تحويل التاريخ إلى حق سياسي معاصر.
فحتى لو ثبتت صلة جماعة ما بأرض معينة في الماضي، يبقى السؤال: هل تمنح تلك الصلة وحدها حقًا حصريًا في السيادة بعد مرور قرون، مع تجاهل السكان الذين عاشوا على الأرض خلال أجيال متعاقبة؟
إن هذا السؤال لا يستهدف اليهود بوصفهم جماعة دينية أو قومية، وإنما يستهدف استخدام التاريخ كأداة لإلغاء حقوق الآخرين.
ولهذا فإن النقاش الأكثر جدية لا ينبغي أن يدور حول أي جماعة (أكثر تاريخية) ، بل حول مبدأ أكثر وضوحًا: كيف يمكن بناء نظام سياسي يضمن الحقوق المتساوية، ويحفظ كرامة الإنسان، ويرفض تحويل الدين أو العرق أو التاريخ إلى مبرر لإقصاء شعب آخر؟
وفي النهاية، فإن قوة أي مشروع سياسي لا تُقاس فقط بقدرته على إنتاج رواية تاريخية مقنعة، ولا بعدد الانتخابات التي يجريها، وإنما بقدرته على الإجابة عن السؤال الأهم: هل يحقق العدالة والحقوق لجميع من يعيشون على الأرض، أم يجعل التاريخ والديمقراطية أدوات لتبرير القوة؟



