سياسة

إسرائيل: دولة الحرب الواحدة وحدود القوة العسكرية

إسرائيل: دولة الحرب الواحدة وحدود القوة العسكرية

كتب✍️ :فريق التحرير
في قراءة لطبيعة القوة الإسرائيلية ودورها في المنطقة، تبرز فكرة أساسية مفادها أن إسرائيل تُعامل، في الحسابات الغربية، بوصفها دولة لا تحتمل الهزيمة العسكرية الشاملة؛ فالهزيمة في حرب كبرى لا تعني مجرد خسارة معركة، بل قد تفتح الباب أمام أسئلة أعمق تتعلق بمستقبلها كدولة وبقدرتها على الاستمرار في البيئة الإقليمية المحيطة بها.
ومن هنا يمكن فهم جانب من الدعم الغربي المتواصل لإسرائيل، والحرص على تفوقها العسكري، إلى جانب المساعي السياسية الرامية إلى دمجها في منظومة الشرق الأوسط. فالمسألة، وفق هذه القراءة، لا ترتبط بالسلاح وحده، وإنما بمحاولة بناء بيئة إقليمية تجعل إسرائيل جزءاً من ترتيبات سياسية واقتصادية وأمنية أوسع.
وتكشف بعض الأدبيات الإسرائيلية عن هاجس متواصل يتعلق بمسألة البقاء والذاكرة التاريخية. فقد جرى حفظ كميات واسعة من الوثائق والمواد المتعلقة بتاريخ اليهود في فلسطين منذ بدايات القرن العشرين، وهو ما يعكس، في أحد أبعاده، اهتماماً استثنائياً بتوثيق التجربة اليهودية في فلسطين وتطور المشروع الصهيوني والدولة الإسرائيلية.
وفي المقابل، فإن اتساع نطاق العمليات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة، من فلسطين ولبنان إلى سوريا والعراق وإيران، لا يعني بالضرورة تحقيق أهداف سياسية موازية. فالقوة العسكرية تستطيع إحداث دمار هائل وفرض كلفة كبيرة على الخصوم، لكنها لا تضمن وحدها تحويل القوة الميدانية إلى إنجاز سياسي دائم.
وهنا تظهر إحدى المعضلات الأساسية في التجربة الإسرائيلية الحديثة: القدرة الكبيرة على استخدام القوة لا تقابلها دائماً قدرة مماثلة على حسم الصراعات سياسياً. فالحروب الطويلة، حتى عندما تحقق إسرائيل خلالها تفوقاً عسكرياً واضحاً، تترك سؤالاً مفتوحاً حول مدى قدرتها على تحويل التفوق العسكري إلى تسويات مستقرة تحقق أهدافها الاستراتيجية.
وهذا النقاش حاضر داخل إسرائيل نفسها، حيث يذهب بعض الباحثين والمفكرين الاستراتيجيين إلى أن التفوق العسكري لا يكفي لصناعة الانتصار النهائي، وأن طبيعة الصراعات التي تخوضها إسرائيل تجعل الحسم الكامل أكثر تعقيداً، خصوصاً عندما تتحول المواجهة من حرب تقليدية إلى صراع طويل متعدد المستويات.
ومن هذا المنطلق، تبدو الاستراتيجية الأميركية تجاه إسرائيل أكثر ميلاً إلى دمجها في المنطقة بدلاً من إبقائها في حالة صراع مفتوح. وقد بدأت محاولات هذا الدمج بصورة أكثر وضوحاً بعد حرب الخليج الثانية، ثم تعززت عبر مسارات سياسية واقتصادية وأمنية متعددة، كان حل القضية الفلسطينية أحد أبرز مداخلها.
لكن الحرب على غزة أعادت هذه المعادلة إلى الواجهة بصورة أكثر تعقيداً. فبدلاً من أن تقود القوة العسكرية وحدها إلى إعادة تشكيل المنطقة، كشفت الحرب حجم التداخل بين الأمن والسياسة والقضية الفلسطينية ومستقبل النظام الإقليمي.
وبذلك، فإن السؤال لم يعد فقط: هل تمتلك إسرائيل القوة العسكرية الكافية للانتصار؟ بل أصبح: هل تستطيع تحويل هذه القوة إلى انتصار سياسي واستراتيجي مستدام؟
فالفرق كبير بين القدرة على تدمير الخصم والقدرة على إنهاء الصراع، وبين التفوق في ميدان المعركة والقدرة على صناعة مستقبل سياسي يخدم أهداف الدولة. وهذه المعضلة قد تكون واحدة من أهم المفاتيح لفهم التحولات الجارية في الشرق الأوسط ومستقبل الدور الإسرائيلي فيه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى