الفساد البنيوي في مفهوم الحكومة العراقية وأثره على المال العام

الفساد البنيوي في مفهوم الحكومة العراقية وأثره على المال العام
كتب✒️ راهي الحاتم
لم يعد الحديث عن الفساد في العراق ترفًا سياسيًا أو مادة إعلامية عابرة، بل أصبح توصيفًا لبنية إدارية مترهلة تشكّلت عبر سنوات من المحاصصة والتسويات والهشاشة المؤسسية. إن المشكلة لم تعد في “حالات فساد” فردية، بل في فسادٍ بنيويٍ متجذر داخل مفهوم إدارة الدولة ذاته.

الفساد البنيوي يعني أن الخلل ليس في الأشخاص فحسب، بل في القواعد التي تُنتجهم وتحميهم. فعندما تُبنى الحكومات على أساس التوازنات الحزبية لا الكفاءة، وعندما تتحول الوزارات إلى حصص سياسية، يصبح المال العام رهينة الولاءات لا البرامج، والمصالح الفئوية لا المصلحة الوطنية.
لقد أدى هذا النمط من الإدارة إلى استنزاف موارد الدولة بصورة ممنهجة. مشاريع تُطلق بلا تخطيط استراتيجي، عقود تُمنح دون شفافية حقيقية، رقابة شكلية لا تمسّ جوهر القرار، وأجهزة رقابية تُقيدها الضغوط السياسية. النتيجة: مليارات مهدورة، وبنية تحتية متعثرة، وخدمات لا ترقى إلى حجم الإنفاق المعلن.
الأخطر من ذلك أن الفساد البنيوي يخلق ثقافة تبريرية داخل الجهاز الإداري؛ إذ يتحول الفساد من استثناء يُدان إلى ممارسة “مفهومة” في سياق شبكة المصالح. ومع مرور الوقت، يفقد المواطن ثقته بالمؤسسات، ويترسخ شعور عام بأن الدولة عاجزة عن حماية ثرواته أو ضمان حقوقه.
إن سرقة أموال الشعب ليست فقط اختلاسًا مباشرًا، بل قد تكون أيضًا في سوء التخطيط، وفي تضخم المشاريع الوهمية، وفي ازدواج الرواتب، وفي الهدر الناتج عن قرارات غير مدروسة. هذه الأشكال جميعها تمثل اعتداءً على حق المواطن في التنمية والرفاه.
معالجة هذا الواقع لا تكون بالشعارات أو الحملات الموسمية، بل بإعادة تعريف مفهوم الحكومة من كيان تقاسمي إلى مؤسسة خدمية احترافية. ويتطلب ذلك:
*ترسيخ مبدأ الكفاءة معيارًا وحيدًا لتولي المناصب.
*تعزيز استقلالية القضاء والهيئات الرقابية.
*اعتماد الشفافية الرقمية في العقود والإنفاق العام.
*تفعيل المساءلة البرلمانية الحقيقية بعيدًا عن التوافقات السياسية.
*إشراك المجتمع المدني والإعلام المهني في الرقابة.
إن بناء دولة خالية من الفساد ليس مستحيلاً، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية صادقة وإصلاح هيكلي عميق، لا مجرد استبدال وجوه بوجوه. فالدولة التي لا تحمي مال شعبها، لا تستطيع أن تحمي سيادتها ولا مستقبل أجيالها.
ويبقى السؤال الجوهري: هل نمتلك الشجاعة للانتقال من إدارة الأزمة إلى تفكيك بنيتها؟

