العراق بين التحريض والعدوانية السياسية في خريطة نتنياهو الحمراء من على منبر الامم المتحدة
✍ كتب :راهي الحاتم
لم يكن غريباً أن يطلّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على العالم من منبر الأمم المتحدة بخطاب مليء بالتحريض والادعاءات. لكن ما يثير القلق والاشمئزاز في آنٍ واحد هو تلك الخريطة التي رفعها تحت عنوان “The Curse” (اللعنة)، واضعاً فيها العراق ضمن ما أسماه “الطوق الإرهابي” المدعوم من إيران.
إن إدراج العراق في هذه الخريطة ليس مجرد تفصيل بصري في خطاب سياسي، بل هو إعلان عدائي صريح، يحمل في طياته نوايا مبيتة لتوسيع دائرة الاستهداف الإسرائيلي. نتنياهو، الذي يواجه مأزقاً داخلياً خانقاً واتهامات بالفساد، يحاول تصدير أزماته إلى الخارج عبر صناعة “أعداء” جدد، ووضع دول بأكملها في خانة الإرهاب، وكأن شعوب المنطقة مجرد بيادق في مسرح دعائي رخيص.
العراق، بتاريخ حضارته وعمقه العربي والإسلامي، ليس جزءاً من “لعنة” نتنياهو، بل هو ضحية لسياسات استعمارية جديدة تسعى لإشعال الحرائق حيثما وُجدت. الخريطة التي رفعها لا تعكس حقيقة سياسية بقدر ما تكشف ذهنية استعمارية ترى في كل من يعارض إسرائيل خطراً وجودياً يجب إلغاؤه. إنها خريطة تحريض، وخطاب كراهية، ورسالة واضحة بأن إسرائيل ماضية في سياسة الاستهداف والتوسع حتى لو كان الثمن تدمير استقرار المنطقة.
لقد أدانت بغداد، عبر مؤسساتها الرسمية والشعبية، هذا التصرف الأرعن، مؤكدة أن العراق دولة ذات سيادة لا تُختزل في خطاب عدواني لرجل يبحث عن بقاءه السياسي بأي ثمن. أما على المستوى الشعبي، فقد أثارت الخريطة غضباً واسعاً، إذ اعتبر العراقيون أن وضع بلدهم في خانة “اللعنة” ليس إلا محاولة يائسة لتشويه صورتهم أمام المجتمع الدولي.
إن نتنياهو، برفعه لهذه الخريطة، لم ينجح إلا في تأكيد عزلة إسرائيل الأخلاقية والسياسية. فالعالم اليوم يرى بوضوح أن هذا الكيان لم يعد يملك سوى لغة الدم والخرائط الملوّنة لإخفاء جرائمه في غزة ولبنان وسوريا والعراق. لكنه نسي أن الخرائط لا تصنع واقعاً، وأن الشعوب ـ وفي مقدمتها الشعب العراقي ـ أقدر على إسقاط أوهام “اللعنة” بوعيها وصمودها.
العراق ليس بقعة حمراء في خطاب نتنياهو، بل هو قلب نابض في خريطة التاريخ، لا تمحوه أوهام التحريض ولا تلغيه خطابات الكراهية.